الاثنين 11 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10839

الاثنين 11 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10839

حنفية العرب وزرافة الفرس

قدر العرب أن يواصلوا سوء التفاهم مع بقية الشعوب، دون أن ينظروا إلى الفوارق الثقافية الكبرى التي أدخلتها تلك الأقوام على الإسلام.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2014/01/31، العدد: 9455، ص(24)]

اعتذر الصحفي اللبناني الراحل جبران تويني عن كتابة عموده اليومي في صحيفة النهار معلّلا ذلك بانشغاله في حملته الانتخابية، وفي اليوم التالي نشرت الجريدة برقية رسمية وصلتها من رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري قال فيها: “عزيزي جبران تويني، قرأتُ اعتذارك عن زاويتك في الصحيفة بسبب انشغالك في الانتخابات النيابية، جعل الله كلّ أيامك انتخابات بانتخابات بانتخابات”، وقد استعمل برّي المعروف بسلاطة لسانه، التهكّم للتعبير عن موقف سياسي ناقد لمواقف تويني، متمنيا له الانشغال الدائم، كي يرحمه من زواياه.

وكان أسهل تدبيرٍ يقوم به العرب لدى مواجهتهم أي أمرٍ، هو الاستخفاف به، بدلا عن المعالجة الحكيمة له، فيصبح مادة للتعاطي، في مجالسهم وندواتهم ومقاهيهم، حتى تركّبت عقول أهل المنطقة العربية، على النيل من كلّ شيء، فسخروا من الشعوب التي ساكنتهم وجاورتهم، لأن لغات تلك الشعوب وعاداتها وأفكارها لم تكن تطابق العقل العربي بتجلياته العديدة، الثقافية والإنسانية عموما، وكان عجيبا ومثيرا للضحك عندهم أن يطلق الفرس على حيوان لم يعرفوه من قبل وظهر في حياتهم فجأة اسم “الجمل الثور النمر” معا، وهو بالفارسية “شتر گاو پلنگ” ولم يكن هذا الحيوان سوى الزرافة التي تجمع صفات تلك الحيوانات في الاسم الطويل، ولم يخطر ببال العرب أن هؤلاء يفهمون العالم مركّبا بتضاريس كثيرة، وليس منبسطا كصحراء العرب، وكان قدر العرب أن يواصلوا سوء التفاهم مع بقية الشعوب، دون أن ينظروا إلى الفوارق الثقافية الكبرى التي أدخلتها تلك الأقوام على الإسلام بعد أن تمثلوه، لا ليكونوا صورة عن العرب، بل ليصدّروه مرةً أخرى إسلاما مختلفا، كاسم الزرافة في الفارسية، أو كإسلام أفغانستان.

وبقي التهكّم العربي على الكوارث، وصروف الدهر، سلاحا عربيا بامتياز، بينما تغيّر العالم، وبقي العرب على نهجهم، ولكنهم لم ينتبهوا إلى أن ذهنهم نفسه بات أدعى لتسخر منه الشعوب، فعند بداية دخول الماء الجاري، في القاهرة المملوكية، ظهر الصنبور، وتضررت شريحة “السقائين” الذين كانوا يبيعون الماء للبيوت بالقرب، فذهبوا إلى الفقهاء لاستصدار فتوى تحرّم استعمال الصنبور، فأقرّ المالكية والحنابلة والشوافع، بأن الوضوء من الصنبور غير مستحب في الصلاة، بينما أباحه أتباع أبي حنيفة النعمان، وأراد محمد علي باشا أن يضع للقلعة “بزابيز″ للشرب، فتطلب الأمر استصدار فتوى من الأحناف تبيح ذلك، وما زالت تلك الآلة الشيطانية تحمل الاسم ذاته “الحنفية” حتى اللحظة.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر