الاحد 23 يوليو/تموز 2017، العدد: 10700

الاحد 23 يوليو/تموز 2017، العدد: 10700

ثقافة الآباء الروحيين للأيديولوجيا

خطورة هذه الممارسات على الثقافة أنها جعلت منها خادمة للسياسي وتابعا له على حساب الجمالي والأدبي، ولذلك عندما انهارت المنظومة الشيوعية في العالم وجدت هذه الثقافة نفسها خارج التاريخ وجزءا من الماضي.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2014/02/04، العدد: 9459، ص(14)]

من غير الممكن الحديث عن الثقافة العربية منذ مطلع الستينات من القرن الماضي وما بعد دون الحديث عن الأيديولوجيا التي أطبقت بأشكالها القومية والماركسية والليبرالية بصورة شبه كلية على الفعل الثقافي العربي والرؤية الثقافية، حتى باتت الثقافة خادمة في بلاط الأيديولوجيا ومبشرة بمفاهيمها ومنطلقاتها، ما نجم عنه نوع من الفرز السياسي بين تيارات الثقافة العربية المختلفة، وصل إلى حدّ التخوين والاتهام بالعمالة لهذا الطرف الخارجي أو ذاك.

وممّا عزّز هذا التوجه هو انخراط المثقفين في العمل السياسي والالتزام الأيديولوجي الذي كان يعكس في خلفيته نوعا من الاستقطاب الأيديولوجي والسياسي بين القوى السياسية والأيديولوجية المهيمنة على المشهد الإقليمي والدولي، والمتصارعة فيما بينها، ممّا جعل الثقافة انعكاسا لهذه الحالة من الاستقطاب والصراع.

والغريب أن التعبير عن هذه الحالة اتخذ أشكالا وتعبيرات ثقافية مختلفة، فقد بدت قصيدة النثر ومشروعها الذي قادته مجلة “شعر” اللبنانية، هي التمثيل الواضح للاتجاه الليبرالي، في حين أصبحت قصيدة التفعيلة والأدب الذي يعلي من مسألة الالتزام القومي والاجتماعي وفقا للأيديولوجيات القومية الحاكمة بنسختيها البعثية والناصرية هي التمثيل الحقيقي لهذا التيار، في حين أن الاتجاه الماركسي كان مشغولا بقضايا الواقع: الطبقية والحتمية التاريخية لانتصار قوى الثورة الاشتراكية، وكان معيار تقدّم أيّ عمل أدبي ونجاحه يتمثل في التأكيد على هذه القيم والمفاهيم. ونظرا لانخراط الكثير من المثقفين العرب في هذا الصراع الذي كان يعكس صراعا أيديولوجيا أكثر منه صراعا ثقافيا، فإن هذه الثقافة ظلت حبيسة هذه الجدران المغلقة دون أن تتجاوز الإطار المرسوم لها من القيمين على هذه الأيديولوجيات ثقافيا، أو ما يمكن أن نسميهم الآباء الروحيين لثقافة الأيديولوجيا.

خطورة هذه الممارسات على الثقافة أنها جعلت منها خادمة للسياسي وتابعا له على حساب الجمالي والأدبي، ولذلك عندما انهارت المنظومة الشيوعية في العالم وجدت هذه الثقافة نفسها خارج التاريخ وجزءا من الماضي. وينطبق الأمر نفسه على الثقافة القومية التي كانت أسيرة لرؤية أيديولوجية فرضتها الأحزاب القومية التي سقطت مع مشاريعها الأيديولوجية والسياسية.

في ضوء هذه التجربة التي فرضتها ظروف مرحلة التشكل السياسي والثقافي العربية لما بعد الاستقلال، وما شهدته من صراع القوى والأيديولوجيات على رسم معالم هذا التحول وتحديد خياراته السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، فإن على الثقافة العربية التي اغتنت وراكمت من خبرات آن لها أن تعلن خروجها على سلطة الأيديولوجيا من خلال التحرر من سطوة هيمنتها وتأثيرها المباشر عليها، دون أن يعني ذلك انفكاكها عن وظيفتها الاجتماعية وعلاقتها بالواقع، ولكن من منظورها الثقافي البعيد كل البعد عن أي انتماء أيديولوجي، فالثقافة التي لا يمكن أن تنمو وتتطور إلا في مناخ الحرية، كانت في الوقت الذي لا تنفك ترفع فيه شعارات الحرية، تختار طواعية التنازل عن حريتها لصالح السياسي والأيديولوجي الذي كانت تترعرع وتنمو في أحضانه، وتكتسب شرعيتها وقوتها من خلال هذه العلاقة الاستلابية القائمة بينها وبينه.

من مفارقات تلك المرحلة أن مثقفين محددين في هذا الحزب أو ذلك التيار كانت لهم صلاحية منح جوائز العبور لهذا المبدع أو ذاك وفقا لمقاييسه الأيديولوجية الصارمة. كما أن ممثلي هذا الاتجاه كانت تنصب كل جهودهم على الدفع بكتاب وشعراء من داخل منظومتهم الأيديولوجية ليكونوا في صدارة المشهد الأدبي، دون أن يكون للممارسة النقدية الموضوعية والمنهجية أيّ دور يذكر، الأمر الذي ساهم في تخلف الممارسة النقدية العربية عن الممارسة النقدية الغربية باتجاهاتها الحديثة، حوالي ربع قرن من الزمن، حتى أصبحت تلك الممارسة صدى لتلك المناهج والنظريات النقدية.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

:: اختيارات المحرر