السبت 16 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10844

السبت 16 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10844

اهربوا.. لقد اكتشفوا أمرنا

صدرت قبل عدة سنوات مذكرات مارك توين، بعد أن طلب الامتناع عن نشرها حتى يمضي قرن كامل على وفاته يضمن فيه 'موت جميع الأشخاص الوارد ذكرهم فيها'.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2014/02/07، العدد: 9462، ص(24)]

قرأت عن برقية وجّهها الكاتب الأميركي الكبير مارك توين (1835 ـ 1910)، إلى عشرة أميركيين يحتلون مناصب كبيرة في الدولة، وجاء فيها العبارة التالية فقط: “اهربوا لقد اكتشفوا أمرنا”، فما أصبح الصبح عليهم إلا وكانوا قد غادروا الولايات المتحدة هربا مما لم يفصح عنه توين، صاحب رائعة توم سوير، ومن المرجّح أنه لم يكن يعرف عنه شيئا، ولكنه أراد برسالته تلك إيقاظ المخبّأ، الذي افترض أنه لن يكون خيرا، وأنه لا ريب شكل من أشكال التآمر والاتفاق السرّي كان يدور ما بين المواقع الحساسة في أعلى الهرم الأميركي ذي العين الواحدة، ويعكس خوف المسؤول الفاسد من افتضاح أمره، ولم تكن تلك أولى خرمشات مارك توين للحياة العامة في بلاده، فقد كانت تصريحاته لا تقلّ إثارة عن نفير الهرب ذاك، فهو القائل: “من الأفضل لك أن تغلق فمك وتترك الناس يعتقدون أنك أحمق، من أن تفتحه وتمحو كل شك”، وقد صدرت قبل عدة سنوات مذكرات مارك توين، بعد أن طلب الامتناع عن نشرها حتى يمضي قرن كامل على وفاته يضمن فيه” موت جميع الأشخاص الوارد ذكرهم فيها”.

وكثيرا ما استعملت اللغة للإيقاع بالقراء، السياسيين والعاديين منهم، ومن تلك الأساليب ما كان جارحا جدا، لا سيما في مناخ مصر في زمن فساد الملك فاروق والطبقة السياسية المحيطة به، فقد استخدمت روز اليوسف التي أوقفها الإخوان المسلمون في مصر، الكاريكاتير مع الكلمات، في العام 1949، في مصر حين كان مصطفى النحاس باشا رئيسا للوزراء، وكان شخصية وطنية عصابية، خفّف من توتّرها وجود زوجته “زينب الوكيل” إلى جواره في الحياة العامّة، وكانت قد حوكمت أمام محكمة ثورة عبدالناصر، ولم تجد النيابة دليلا ضدّها، أما قصرها في منطقة المرج، فقد استولى عليه الضباط الأحرار، وحوّلوه إلى معتقل أودع فيه الرئيس محمد نجيب، قائد ثورة 23 يوليو ضد الملك فاروق، وقبل ذلك بسنوات كان النحاس باشا ينوي تشكيل حكومة جديدة وقتها، فطمح فؤاد سراج الدين بالحصول على مقعد وزراي فيها، فنشرت روز اليوسف رسما يظهر النحاس باشا وهو يقود حافلة، وفؤاد سراج الدين متعلقا بسلّمها، وهو يسأل النحاس باشا: “منين طريق الوزارة؟” فأجابه النحاس :”روح جامع السيدة زينب!”.. جواب بريء.. يدلّ على حيّ السيدة زينب في القاهرة، ولكن الحكومة أغلقت مجلة روز اليوسف لثلاثة شهور بعد نشرها للرسم والكلمات.. فاهربوا قبل أن يكتشفوا أمرنا.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر