الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

الهروب من فظائع الحاضر إلى فظائع التاريخ

روائيون سوريون ينقلون معاناتهم داخل سجون نظام بلادهم التي تشكل علامة بالغة القتامة والرعب في ذاكرة السوريين بسبب ممارسات السلطة الإجرامية.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2013/08/17، العدد: 9292، ص(16)]

تخطيط: ساي سرحان

كان ينبغي على تجربة السجون الطويلة والاستثنائية التي عاشتها سوريا في عهدي ديكتاتورية الأب والابن أن يواكبها منجز روائي قادر على تمثل أبعاد تلك التجربة المريرة والقاسية روحيا ونفسيا وسياسيا ووجوديا بعد أن عملت تلك الديكتاتورية على محاولة تصفية الحياة السياسية وإفراغ المجتمع من أي حراك معارض مهما كان لونه أو مرجعيته منذ النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي، حتى ضاقت السجون والمعتقلات بالنخب السياسية والثقافية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.

مثل هذه التجربة الطويلة التي استفحلت مع الانتفاضة الشعبية بصورة غير مسبوقة، لم تستطع أن تفرز أعمالا روائية هامة لأسباب موضوعية عديدة في مقدمتها استمرار سياسة القمع والمصادرة من جهة، وغياب المبادرات الشجاعة من قبل الروائيين السوريين وعدم انفتاحهم وتفاعلهم مع أصحاب تلك التجارب بسبب الخوف من بطش الأجهزة الأمنية من جهة أخرى، الأمر الذي دفعهم في الغالب إلى الهرب من مواجهة مثل هذه القضايا البالغة الحساسية إلى التخييل التاريخي واستحضار وقائع تاريخية دالة كنوع من التقية أو الإسقاط على الواقع الراهن، ما دفع عددا من الكتاب السجناء لملء هذا الفراغ وتقديم شهاداتهم الحية عن فظائع تلك المرحلة التي تشكل إدانة قوية لطبيعة النظام الإجرامية، ومحاولات تأبيد سلطته على حساب خراب سوريا وتحويلها إلى سجن ومقبرة للصمت.

العمل الروائي الوحيد الذي حاول مقاربة هذه التجربة هو رواية سمر الليالي للروائي نبيل سليمان، في حين أن العملين الروائيين اللذين قدّمهما كتاب سجناء فهما «الشرنقة» لحسيبة عبدالرحمن وهي الأولى من حيث تاريخ صدورها، والقوقعة يوميات متلصلص لمصطفى خليفة، في حين صدرت أعمال أخرى لكتاب سجناء اقتصرت على اليوميات التي تروي وقائع تلك السنوات المرة.

أخطار المغامرة

عند قراءة هذه الرواية يلاحظ القارئ أن حسيبه عبدالرحمن في هذه المغامرة تحملت عبء هذه المغامرة الأولى لاسيما على صعيد البنية السردية والفنية للرواية، نظرا لحداثة التجربة السردية لرواية السجن في سوريا، والرغبة في استحضار وقائع هذه التجربة الموجعة، وتقديم شهادة وافية عن معاناة السجين السياسي في معتقلات النظام في آن.

ظهر التفكك واضحا في البنية السردية للعمل بسبب الرغبة في الإخلاص للواقع من جهة، ومن جهة أخرى بسبب حداثة تجربتها في الكتابة وتسرعها في تقديم هذا العمل قبل أن تعمل على استكمال شروطه الفنية.

هذا السبب فيما يبدو شكل خلفية اختيار هذين الكاتبين للشكل الروائي الذي قدما من خلاله تجربة السجن، إذ اعتمدت حسيبة على المرجعية الواقعية لمغامرة السجن، في حين اختار مصطفى خليفة كتابة اليوميات كما يلاحظ ذلك من خلال العنوان الثاني الذي وضعه الكاتب على الغلاف الرئيس لكي يشرح للمتلقي طبيعة العمل (يوميات متلصلص).

تروي بطلة الرواية وقائع ما حدث معها أثناء سنوات تلك التجربة في سجن المعتقلات بدوما لتضيء على عالم النساء المعتقلات وحياتهن الشاقة في هذا السجن الذي يعتبر أساسا سجنا قضائية للنساء المتهمات بقضايا جنائية مختلفة، حيث تم إلحاق السجينات السياسيات بهذا السجن، لكي تتم مضاعفة معاناتهن داخل جدرانه المغلقة لسنوات طويلة.

فظائع تدمر

يشكل سجن تدمر الصحراوي علامة بالغة القتامة والرعب في ذاكرة السوريين بسبب ممارسات السلطة الإجرامية، المنفلتة من أي عقال أخلاقي أو قانوني إنساني يمكن أن يتصوره عقل بشري. رواية القوقعة لمصطفى خليفة يوميات متلصلص شهادة مروعة عن عالم هذا السجن، وهي بقدر ما تمثله من تراجيديا غريبة يكشف عنها مصير بطل الرواية المسيحي الذي يعتقل بتهمة الانتماء إلى تنظيم الإخوان المسلمين لمدة تزيد على عقد من الزمن في هذا السجن الرهيب، بقدر ما تفضح طبيعة إجرام السلطة المستبدة. تستخدم الرواية اليوميات كأسلوب سردي في رواية وقائع تلك المعاناة الطويلة لهذا السجين الذي يوضع في مهجع للأخوان المسلمين ما يضاعف معاناته.

تغلب اللغة التقريرية على الرواية بحكم بنيتها السردية دون أن يقلل ذلك من أهمية وقيمة هذا العمل الذي استطاع أن يقدم رؤية بانورامية شاملة لعالم هذا السجن الفظيع، وممارسات إدارة السجن وعناصره المطلقي الصلاحية في القتل والتعذيب واختراع أغرب أشكال القهر والامتهان، إضافة إلى طبيعة السجناء الإسلاميين تنظيميا وفكريا وسلوكيا، كل هذا من خلال عين الراوي التي تتلصلص على ما يحدث في باحة السجن الخارجية من قتل وإعدامات من خلال ثقب صغير استطاعت أن تحفره في باب المهجع، بينما هي تروي وقائع ما يحدث داخل جدران المهجع وهي تعيش في قوقعتها.

لقد استطاع المشهد الأخير للرواية أن يكثف المعنى التراجيدي النفسي والروحي القاسي لتلك التجربة في حياة هذا السجين وعلاقته بذاته وبالحياة التي تنغلق في وجهه لتكون نهايتها هي الانتحار، تعبيرا عن فظاعة مأساوية الشرط الوجودي والإنساني لحياة منتهكة ومبددة من خلال سطوة سلطة طاغية.

تشترك رواية سمر الليالي لنبيل سليمان مع رواية الشرنقة لحسيبة عبدالرحمن في عناصر عديدة منها فضاء المكان الذي تجري فيه أغلب أحداث الرواية، المتمثل في سجن دوما للنساء ومنطقة اللاذقية الساحلية، إضافة إلى الفضاء الزمني لأحداث الرواية، والهوية السياسية لبطلتي الروايتين، ولذلك لم يكن مستغربا أن نجد في رواية سمرالليالي بعض الأحداث التي تتقاطع مع رواية الشرنقة.

نبيل سليمان في هذه الرواية قارب تجربة السجن السياسي من خلال حكاية بطلة روايته التي تعيش وسط عالم من القهر والألم والحرمان والاشتباك اليومي سواء مع زميلاتها، أو مع السجينات القضائيات تجربة حب مع مدير السجن تنتهي بعلاقة جسدية بينهما، ما يجعل بطلة الرواية تعيش حالة من الصراع والضياع، لا تستطيع أن تتخلص من تداعياتها وآثار النفسية الكبيرة عليها، حتى بعد خروجها من السجن.

تتخذ البنية السردية الحكائية في هذه الرواية خطا سرديا متصلا وتعاقبيا صاعدا، حيث يتولى الراوي العليم الموجود في كل مكان سرد وقائع وأحداث هذه الرواية وما يجول في عقل ونفس البطلة من أفكار وهواجس ومشاعر، حيث تأتي نهايتها على شكل فلاشات مكثفة، تتضمن منولوجات داخلية تكشف عن حالة الصراع والضياع التي تعيشها بطلة الرواية بعد خروجها من داخل أسوار السجن إلى الحياة.

بعد هذه المغامرة الروائية لم تنجز الرواية السورية أي عمل روائي جديد يستلهم هذا التاريخ الأسود من عمر الديكتاتورية العسكرية وما عملت عليه من خلال الزج بعشرات الآلاف من الشباب والنساء السوريات في غياهب المعتقلات المريعة بغية تحطيم إرادة هذا الشعب وسلبه إرادته الحرة.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر