السبت 23 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10760

السبت 23 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10760

هل رأى الحب سكارى.. مثلنا؟

نحن نشهد تصنيع الزعماء هنا أو هناك، ونرى الذليل يستعيد مذلته، سواء لرجل دين أو لحاكم، بينما تفاءلت العرب بأنها طلّقت العبودية قبل سنوات.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2014/02/14، العدد: 9469، ص(24)]

روى لي منظم أحد مهرجانات الخطابة المرافقة لحروب العرب (والقصة كلّها على ذمته بما فيها من حوارات بين الشخصيات ولا أضعها في ذمتي) حادثة وقعت له مع أحد الشعراء الذين كان يبحث عنهم في البوادي، للمساهمة بقصائدهم الحماسية، ولكن الشاعر لم يكن بدوياً هذه المرة، بل كان أحد ابناء المدن المحنكين، وكان سكيراً، وضابطاً في الشرطة، فتتالت القصائد بحضور رئيس الدولة والقيادة، وكان المنظم الذي روى لي القصة يجلس خلفه، وحين جاء دور الشاعر المذكور، نهض ووقف على المنبر وألقى قصيدته، ولكن الشاعر بقي واقفاً في مكانه ولم ينزل عن المنبر ولا عن خشبة المسرح، وأخذ يشير بأصابعه لرئيس الجمهورية، قال المنظم: “وقع قلبي بين ركبتي، فإذا أساء هذا الرجل سيكون مصيري أسود دون شك وصرت ألوّح له من خلف الرئيس كي ينزل دون جدوى”، ولكن الشاعر استمر بالإشارات بأصابعه حتى فهم عليه الرئيس، فقد كان يطلب الإذن بإلقاء بيتين إضافيين فقط، فأذن له، فقال مخاطباً الرئيس بالعاميّة: “مو غريبة يلوذ باكتاركْ ذليلْ ..وانتا ذاك اللّاذتْ بجالا دولْ… إنتا مثل الكاع لو رادتْ تميلْ…الساتر الله ان صار بيك الزعلْ” فارتفعت معنويات الرئيس عالياً وشعر بكبريائه يتصاعد وهو يسمع الكلمات، وهدأت دقات قلب منظم المهرجان، ولكن الرئيس بدهائه، لم يترك الشاعر فقال له: “تعال ..اقترب”، فاقترب الرجل، فسأله الرئيس عابساً: “من هو الذي أذلك لتقول عن نفسك (ذليل) ..هل يوجد في بلادنا أذلة؟!” فكاد قلبُ منظّم المهرجات ينفجر من الخوف، ولكن الشاعر أجاب الرئيس قائلاً: ” أنت سيدي” ..فمات المنظّم من جديد من رعبه.

ولكن الرئيس ضحك، وقال له كيف أكون أنا من ذلّك؟ فقال الشاعر: “سيدي أنا رجل مبتلى بِشرب الخمر أثناء الدوام الرسمي في مكتبي بوزارة الداخلية، فإن رآني الفرّاش، فسيكتب تقريره الأمني لمدير الشرطة، ومدير الشرطة سيرفع تقريره لوزير الداخلية، والوزير يرفع تقريره لك سيدي، فتصدر أمراً بإعدامي” فضحك الرئيس وقال لمنظم المهرجان:” اكتب.. أمرنا له بكذا وكذا.. و ليتر من الويسكي يومياً على نفقة وزير الداخلية” فضحك الجميع لدعابة الرئيس.

تذكرت هذه القصة، ونحن نشهد تصنيع الزعماء هنا أو هناك، ونرى الذليل يستعيد مذلته، سواء لرجل دين أو لحاكم، بينما تفاءلت العرب بأنها طلّقت العبودية قبل سنوات، أبطال هذه القصة فرقتهم الأقدار ومزّقت جمعهم، الرئيس في ذمة التاريخ، والشاعر لا تجد له ذكراً في أي مصدر وقد يكون من ضحايا مآسي العرب، أما المنظم فأصبح من فريق مشروع ولاية الفقيه الإيراني اليوم… وأخيراً علمت من مصادري أن الراوي قد أدخل تعديلاته على الحكاية، كما أدخل تعديلاته على ولائه للعراق.

فهل رأى الحبّ سكارى مثلنا؟ نحن العرب.. كلنا.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر