الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

شطآن لم يبلغها قارب في أحوال القصيدة وتحولاتها

القصيدة العربية العمودية حافظت على نسقها الفني والجمالي، بينما طالت المتغيرات التي طالت أدواتها البلاغية ووسائل التعبير فيها بنية لغتها وطرائقها في التعبير عن حساسية شعرية جديدة.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2014/02/16، العدد: 9471، ص(13)]

المتأمل في سيرورة التجربة الشعرية العربية التاريخية سيلاحظ أنها لا تختلف كثيرا عن السيرورة التي تمر بها الحضارات الإنسانية عند ابن خلدون، فهي تبدأ أولا بتشكيل فضائها الخاص وبلورة مفاهيمها وقيمها الجمالية آخذة في التوسع والامتداد، حتى تبلغ مرحلة قوتها وتسيدها من خلال أهم أعلامها وروادها. لكنها مع غياب هؤلاء الرواد، أو بلوغهم خريفهم الإبداعي تأخذ تلك التجربة بالتراجع والضعف، حتى تكاد بعض تجاربها المتبقية تشبه الجزر المتباعدة والصغيرة على خارصة الشعرية العربية.

هكذا كان حال قصيدة التفعيلة التي ظهرت محاولاتها الأولى على يد السياب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي، ثم اتسعت مساحة المشهد في النصف الثاني من خمسينات القرن الماضي، لتشمل مصر والشام والعراق كما تجلت في تجارب بلند الحيدري وخليل حاوي وصلاح عبد الصبور ونزار قباني وعبدالمعطي حجازي والياس أبو شبكة وعلي الجندي وغيرهم، وصولا إلى مرحلة الستينات والسبعينات التي بلغت فيها تلك القصيدة أوج حضورها وتسيدها مع صعود المد اليساري العربي. لكن قصيدة النثر التي بدأت تؤسس لحضورها في المشهد الشعري العربي في تلك الحقبة مع مجلة شعر، بدأت تقلص من مساحة حضور تلك القصيدة، إنما من دون أن تنال من جماهيريتها التي ساهمت تجربة نزار قباني ومحمود درويش بصورة خاصة في الحفاظ على زخم قوتها واستقطابها لجمهور الشعر العربي. ومع رحيل أغلب رموز هذه القصيدة في العقود القليلة الماضية فقدت هذه القصيدة ذلك الزخم، فبدت وكأنها تدخل خريف عمرها، لتملأ ذلك الفراغ الذي خلفته قصيدة النثر، التي بدأت بالهيمنة على المشهد الشعري العربي.

القصيدة العربية العمودية حافظت على نسقها الفني والجمالي، بينما طالت المتغيرات التي طالت أدواتها البلاغية ووسائل التعبير فيها بنية لغتها وطرائقها في التعبير عن حساسية شعرية جديدة، فرضتها متغيرات الواقع الحضاري الناشئ، سواء في العهد الأموي أو العباسي على وجه الخصوص، ولكن من دون أن تتجاوز محددات الفضاء الثقافي التقليدي. الخروج الأول على عمود الشعر التقليدي جاء مع القصيدة الأندلسية، ثم تطور مع شعراء مدرسة أبولو وشعراء المهجر، لكنه اتخذ شكله الأوضح والأكمل مع رواد قصيدة التفعيلة.

يعود البعض بالإرهاصات الأولى لقصيدة النثر إلى ثلاثينات القرن الماضي، على أن التأسيس الجمالي والفكري لهذه القصيدة بدأ في النصف الثاني من خمسينات القرن الماضي، ليتسع ويمتد على طول العقود التالية حتى عصرنا الراهن. وفي حين فقد من أطلق عليهم “آباء الحداثة” بريق حضورهم وقدرتهم على الإضافة والتجديد، استطاعت أجيال تالية أن تقدم نفسها بثقة وجدارة متجاوزة، منجز ذلك الجيل، حيث فتحت أفق هذه التجربة على روافد مهمة وإضافات حقيقية، مستفيدة من انفتاحها على الأجناس الأدبية والفنية الأخرى، ومن اندفاعها في مغامرة التخييل نحو تخوم أخرى للجمال والكتابة الإبداعية غير المسبوقة.

ويبقى السؤال ماذا بعد ذلك؟ أظن أن المغامرة مفتوحة، والتجريب لا ينتهي، والابتكار ديدن الأدب والفن. وهو ما يجعل من سؤالي نفسه فكرة تحتاج إلى مراجعة. وماذا بعد؟ مزيد من الجديد، وبحث بلا نهاية عن شطآن لم يبلغها قارب.

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر