الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

حوار الأديان والحمص والحمير

البخاري كان ثوريا مبدعا بلا حدود، فقد تمكن من تطبيق مشاريعه المذهلة، في محو الأمية للكبار وتأسيس موسوعة الحديث الشريف.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2014/02/21، العدد: 9476، ص(24)]

ولد في دمشق طفلٌ لمهاجرين من أوزبكستان، وسرعان ما صار دمشقيا أصيلا ثم صار المفكر الإسلامي الموسوعي المعروف برهان بخاري، الذي كان صديقا قديرا لنا، في دمشق، نهارها وليلها ونواديها، وقد أخبرني أنه مع حرص أسرته على تعليمه في طفولته، كان يرغب في تعلّم كل شيء من الحارة الدمشقية، فعمل في صباه حمصانيا، وبقيت تلك “الصنعة” حاضرة تظهر في لحظاته الحميمة، فكان يحلو له حين يجتمع بصحبه من المثقفين، أن يطلب من النادل لوازم إعداد الحمّص، وكنا نقضي السهرة في تذوّق ما يسمّيه الدمشقيون “المسبَّحة” وهو يضيف إليها زيت الزيتون والحامض والثوم وطحينية السمسم ويمزج تلك العناصر في جرن خاص على مدى ساعات، ليذيقنا منها مرات، وكان علينا فوق هذا أن نعجب بها في كل مراحل إعدادها، وأن نحفظ ما قلناه من مديح فيها، لأن أبا عرفان سيطلب منا أن نعيد تكرار أقوالنا من جديد بين الساعة والأخرى، والويل لمن ينسى ما قال فسيصبح عندها منافقا وغير موضوعي ولا رأي له.

وكان البخاري ثوريا مبدعا بلا حدود، فقد تمكن من تطبيق مشاريعه المذهلة، في محو الأمية للكبار وتأسيس موسوعة الحديث الشريف والموسوعة الشعرية التي تبناها المجمع الثقافي في أبو ظبي، و أطلق اختراعه للوحة المفاتيح القادرة على كتابة جميع أبجديات العالم والتعامل معها والتي نفذّتها شركة مونوتايب البريطانية، ثم أطلق نظريته “اللغة العليا” أو “السوبرا لينغو” لترجمة جميع لغات العالم دفعة واحدة، وأنجز الكثير من مشروعه العملاق في إعادة بناء التراث العربي والإسلامي إلكترونيا.

وذات يوم أخبرنا البخاري أنه ذاهب إلى ملتقى للحوار بين الأديان في مكان ما في ريف دمشق، وكان فخورا بمشواره ذاك، ولكنه عاد بعد ساعات غاضبا مغبرّ الثياب، وحين سألناه ما الذي دار في حوار الأديان ذاك وهل توصلتم إلى نتيجة؟، قال: “كما ترون، أخذونا بالسيارات مئة كيلومتر، ثم طلبوا منا أن نترجل ونركب على الحمير، كي نتسلق الجبل إلى مقر الاجتماع عند مسكن راهب إيطالي اسمه باولو دالوليو، فقضيت الطريق بين الصخور على ظهر الحمار وهو يترنّح بي يمينا ويسارا وأنا أرتدي بدلتي الأنيقة بين تضاريس جبل مار موسى لأن السيارات لا تصل إليه، فوصلنا منهكين محطّمين، وكان الجميع في الجلسة مشغولا بالتفكير بدلا من حوار الأديان، بمشقة طريق الرجعة على ظهور الحمير، فكان حوارا عظيما اتفقنا فيه على كل شيء.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر