الاحد 26 مارس/اذار 2017، العدد: 10583

الاحد 26 مارس/اذار 2017، العدد: 10583

يسقط الرئيس القادم

أحسنت ثورة 25 يناير صنعا إذ بثت روحا جديدة في الشعب فأعاد اكتشاف قوته، ولكن حكامه ومشاريع الحكام لم يعوا هذا الأمر إلى الآن.

العرب سعد القرش [نُشر في 2014/02/22، العدد: 9477، ص(9)]

قبل الانتخابات الرئاسية المصرية 2012، استخف المتسابقون بشعار “يسقط الرئيس القادم”، أصدق شعارات الثورة بعد “الشعب يريد إسقاط النظام”. لم يسقط النظام إلى الآن، ولكن الرئيس “القادم” سقط. سقط مرسي لأنه استخف بشعار “يسقط الرئيس القادم”، وعجز خياله عن إدراك المحذوف منه، وهو الاستحقاقات الثورية التي من أجلها ضحى الشهداء وسقط الجرحى. لم يدرك مرسي، وأخشى ألا يكون السيسي وحمدين وغيرهما لا يدركون أن شعب 25 يناير تغير.

قبل عشر سنوات، كنا شعبا آخر لم تمسه روح 25 يناير، نكتب بالإشارة. كتبت يوم 7 ديسمبر 2003 في (العربي الناصري) مقال “عن وهم المونديال وأشياء أخرى”، عن وقوع حسني مبارك يوم 19 نوفمبر 2003 مغشيا عليه في البرلمان على الهواء مباشرة، وهو ما سمته وسائل الإعلام الرسمية وعكة طارئة ألمت به، وارتبكت أجهزة الدولة.

كنت أبحث عن معنى الدولة، عن كيان يفترض أن له مؤسسات راسخة، بغض النظر عن الحالة الصحية للرئيس، وتساءلت: “ماذا نفعل لو حدثت هذه الوعكة عام 2010، أثناء إقامة أربع مباريات في كأس العالم التي نسعى إلى استضافتها؟”، فاستدعاني مرسي إسماعيل عطا الله رئيس تحرير (الأهرام المسائي). أسعفتني حكمة لم أقرأها في كتاب، عن ضرورة اللجوء إلى سلاح “الاستحمار”. سألني عما كتبت؟ قلت: “لا شيء، منذ سنوات وأنا ممنوع تقريبا من الكتابة، وأنت عاقبتني بنقلتي إلى قسم الحوادث”. فضرب المكتب بيده: “أتكلم عما كتبته اليوم في (العربي الناصري)، معقول؟ عن الرئيس شخصيا؟”. قلت: “لم أمس الرئيس بشيء؟ هل يمكن أن يفهم ما كتبته خطأ؟”. فصرخ: “عايز تجنني؟ المقال فهم هكذا”. طمأنته ألا أعود إلى الكتابة عن أية وعكة صحية للرئيس الذي لا يتوعك.

في تلك الفترة، مهّد عبدالحليم قنديل، رئيس تحرير (العربي الناصري) الطريق إلى انتقاد مبارك شخصيا. بدأ على استحياء بأسئلة: “من هو العبقري المسؤول عن تعليق أول ملصق مبايعة لجمال مبارك رئيسا لمصر؟” (يونيو 2003)، “ما هو الوضع الدستوري لأدوار حرم الرئيس مبارك؟” (يوليو 2004). ثم انتقد بشراسة مشروع توريث الحكم، بوضوح لا يهادن، وتعرض لأغرب تحرش سياسي واعتداء إرهابي نوعي في تاريخ مصر، فجر 2 نوفمبر 2004، خطفه شياطين مجهولون، نسي الملائكة أن يقيدوهم بالسلاسل في شهر رمضان، واقتادوه إلى صحراء جبل المقطم، وضربوه وسرقوا هاتفه، وخلعوا ثيابه واختفوا. ليتهم نزعوا نظارته وتركوه. هذا عقاب كاف، لكنهم أخذوا النظارة أو كسروها، والرجل مشى عاريا، لا يعرف أين هو، ولا يرى في الظلام شيئا، ثم إنه لا يستغني عن نظارته، حتى إذا بلغ طريقا، رآه جندي فانزعج، ومنحه ثيابه التي عاد بها إلى البيت.

وكان محمد طعيمة يتنازعه الأمل واليأس، وسيظل كتابه “جمهوركية آل مبارك”، بالمقدمة الثابتة التي كتبها صنع الله إبراهيم لطبعاته المتوالية، سجلا تاريخيا لصعود جمال مبارك. (الجمهوركية) نحت لغوي مبتكر، يجمع الجمهورية والملكية معا، ويؤكد اختلاط المفاهيم، وتحول الجمهورية إلى حكم ملكي يتوارثه الأبناء. ظل عنوان الكتاب “جمهوركية آل مبارك” ثابتا، أما المتغير فكان عنوانه الفرعي المرتبط بمنسوب القوى على الأرض؛ ففي 2009 كان العنوان الفرعي “صعود سيناريو التوريث”، وفيه تقول باحثة أميركية إن مبارك يواصل “إعداد جمال رغم استياء جنرالاته”. ولكن الطبعة الخامسة، خلت من العنوان الفرعي، فتفاءلت. أحسنت ثورة 25 يناير صنعا إذ بثت روحا جديدة في الشعب فأعاد اكتشاف قوته، ولكن حكامه ومشاريع الحكام لم يعوا الأمر إلى الآن:

بعد تلويح الشعب لدبابات الجيش مساء جمعة الغضب 28 يناير، ثم حفاوته بالمجلس العسكري، وقعت أخطاء الشرطة العسكرية في 8 أبريل و9 مارس، وجاء بيان الجيش كالاعتذار: “رصيدنا لديكم يسمح”، ثم ضربونا بقنابل الغاز عند السفارة الإسرائيلية يوم 15 مايو، فكان شعار: “دكتاتور دكتاتور.. يا طنطاوي عليك الدور”، رغم تحالف الإخوان مع طنطاوي، وهتاف السلفيين في التحرير في 29 يوليو 2011: “يا مشير يا مشير من النهار ده انت الأمير”، وكانت مأساة ماسبيرو في 9 أكتوبر كلمة النهاية. الخيال العسكري لدى طنطاوي لم يسمح له باستيعاب أن الشعب لا يمنح تفويضا مطلقا، وهو ما لم يفهمه مرسي حين فوجئ باستعادة الثورة حيويتها بعد أن مزق عهده في الإعلان غير الدستوري في 21 نوفمبر 2012. والآن تتصاعد الأسباب التي دعت إلى الثورة قبل ثلاث سنوات. انتهاكات الشرطة حاليا أكثر غباء، فإلى غطرسة ما قبل 25 يناير 2011 تضاف روح الانتقام من الشعب الذي تمكن من كسر شوكة الشرطة في جمعة الغضب. لا يشير السيسي ولا صباحي إلى هذا الاستبداد، ولا يستنكران وقوعه، مصحوبا بإطلال وجوه عصر مبارك، في عودتها تحت ظلال صورة السيسي الذي لم يدرك دلالة شعار “يسقط الرئيس القادم”.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر