الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

قتل متكرر للثورة وأيقونتها

لا تكون الثورة ثورة إلا بتحقق العدل، قبل العدالة الاجتماعية، ولكن ما جرى منذ 25 يناير 2011 يؤكد أن خالد سعيد، وما يمثله، يقتل عدة مرات.

العرب سعد القرش [نُشر في 2014/03/05، العدد: 9488، ص(9)]

لنفترض سيناريو آخر لما جرى في 25 يناير 2011. لن نمنح ما حدث اسما، سوف نتوب مؤقتا عن الخيال، ونفكر بعقل بارد، هو سمة العجزة، الكبار الموقرين، حكماء الزمان. ففي يوم الأربعاء 2 فبراير 2011، حين كانت الدماء تسيل في “موقعة الجمل”، أصدرت جماعة أطلقت على نفسها اسم “لجنة الحكماء” بيانها الأول، ويتبنى”المطالب المشروعة” للشعب، وفي مقدمتها “أن يكلف السيد رئيس الجمهورية نائبه بتولي مهام إدارة الفترة الانتقالية التي بدأت (الثلاثاء 1 فبراير 2011 بعد الخطاب الثاني، العاطفي، لمبارك)، وتنتهي بانتهاء الفترة الرئاسية الحالية”، وربما كان هذا الاقتراح مقبولا قبل اثنتي عشرة ساعة، ولكن الحكماء لا يدركون فرق التوقيت بين النخبوي/المكتبي والثوري/الميداني.

من هؤلاء الحكماء نبيل العربي، الذي أصبح بعد الثورة وزيرا للخارجية، فأمينا عاما لجامعة الدول العربية، ونجيب ساويرس، الذي قال للتلفزيون إنه لم يذهب إلى ميدان التحرير، وأضاف بلهجة “الحكيم” إن “المطالبة برحيل الرئيس مرفوضة من قطاع كبير جدا من الشعب”، ولا أتصور قناة (أو تي في) التي يملكها قد أجرت استطلاعا حول هذا الأمر، وهو ليس مفوضا من قبل الشعب، ولكنه حر في قوله “لا أقبل المساس بكرامة الرئيس”، ولم يكن أحد ليختلف معه في هذا الشأن، فالثورة لم تهدف إلى المساس بكرامة مبارك، وإنما لإنهاء ليل نظامه الأسود، وهو ما سيعترف به ساويرس، فيما بعد، مراهنا على ضعف ذاكرة المشاهدين، وهو يصف عصر مبارك في برنامج تلفزيوني بأنه: “قرف.. يوم التنحي.. فرحة كبيرة… يا لهوي.. ما عندكش فكرة”.

أما الاسم الأول في اللجنة فهو أحمد كمال أبو المجد، وأنا أقدّره منذ قرأت له، في وقت مبكر وأنا طالب في المرحلة الثانوية، كتاب “حوار لا مواجهة”، ولكني لا أستريح لمهادنين ينتظرون ضوءا أخضر، ولا يخاطرون بطرح أفكار شجاعة وحسابهم على الله. أبو المجد قال عام 2005، إن في تعديل الدستور الآن مخاطرة غير محسوبة. ثم فاجأنا مبارك بعد أيام بتعديل المادة 76، وأصبح نصها “ينتخب رئيس الجمهورية عن طريق الاقتراع السري العام المباشر”. بعد ذلك لم أعد أهتم بآراء الرجل.

يوم 4 فبراير اختفى اسم نجيب ساويرس، واحتل عمرو موسى مكانه في المركز الثاني، واحتفظ نبيل العربي بالمركز الثالث، وظل المركز الأول لأبي المجد الذي قرأ بيانا تضمن أربعة مطالب: تأمين حريات المتظاهرين، ودعوة الجيش لأداء دوره في الانتقال الآمن والسلمي للسلطة (لم يحدد كيف؟)، والتوقف عن اعتقال المتظاهرين، والتوقف عن أعمال البلطجة التي تتم “على نحو مدمّر ومخطط تماما عند مداخل الطرق والميادين”.

كان سقفا منخفضا، يمسك العصا من المنتصف، ولا يغضب مبارك إذا تمكن من استعادة السيطرة على الحكم، ولا يسمي الجريمة باسمها، ويتجاهل الإشارة إلى المتهمين بارتكاب “موقعة الجمل” تخطيطا وتمويلا، ولا يطالب مبارك بإعلان المسؤولية عنها، أو بفتح تحقيق عاجل لمحاسبة المجرمين.

لو استعاد مبارك سلطته لظل المشير طنطاوي وزيرا، واللواء عبدالفتاح السيسي مديرا للمخابرات العسكرية، فهؤلاء ليسوا أهل ثورة، وليس مطلوبا منهم، تماما مثل القضاة الذين عليهم ألا يسارعوا في إصدار أحكام قصوى على شباب الثورة، مقابل التباطؤ/ التواطؤ في ما يخص قضية قتلة أيقونة الثورة خالد سعيد، الذي لعنه إعلاميو أجهزة الأمن التابعة لمبارك وقتلوه عدة مرات. ويسجل عبدالعظيم حماد، رئيس تحرير الأهرام في شهادته/ كتابه “الثورة التائهة.. صراع الخوذة واللحية والميدان”، أن الجنرالات لم يتوقعوا أن يقدّم مبارك إلى المحاكمة، وقوبلت المطالبات بمحاكمة مبارك “باندهاش ثم استياء كبير”، وأن عضو المجلس الأعلى للقوات المسلحة اللواء مختار الملا قال له: “فاتنا أن نعقد اتفاقا مع مبارك على عدم الملاحقة القضائية.. ونعلنه للمتظاهرين ليلة 11 فبراير”.

مثلث العداء للتغيير والثورات في التاريخ يضم العسكر والقضاة ورجال الدين، فهم أكثر استفادة من تثبيت الوضع القائم، وأقل خيالا من إدراك سحر الصورة التي ربما تكون هي “العمر الثاني” للأشخاص والثورات.. صورة جيفارا بالبيريه، أم كلثوم بمنديلها، والمنسق العام للحركة المصرية من أجل التغيير (كفاية) عبدالوهاب المسيري حين دفعه جنود الشرطة، يوم 14 مارس 2007، وكاد يقع ويصاب، لولا أن أحاط به المتظاهرون، صورة محمد البوعزيزي في حفل زفاف يطلق ذراعيه للريح، ثم صورته وهو يرقد في سلام، راضيا عن نفسه، ينتظر أن تتحرر روحه، وقد ضاق بغطاء أبيض يلف جسده، ما عدا فتحة ضيّقة تسمح له بالتنفس، ولكنه غائب عما حوله، متوحدا بذاته في جلال، غير معني بغطاء آخر يكسوه من القدمين إلى الصدر، غطاء ملون، نظيف لا يجرح كاميرا ترصد لحظة امتنان من دكتاتور متأنق، يزوره لإبراء الذمة وامتصاص سحب الغضب، هو الرئيس في متاهة أيامه الأخيرة. وقف القاتل وسط فريق طبي في المستشفى، وامتدت ذراع تحمل ميكروفونا للتلفزيون الرسمي، لتسجيل ما قد يتكرم بقوله، وقد استعد تماما، ببدلة داكنة، وأسى مصطنع، ووجه خال من أي ندم، وشعر مصبوغ، ومصفف بعناية، وعقد كفيه أمامه، اليسرى فوق اليمنى.

خالد سعيد هو مفتاح الثورة المصرية وأيقونتها، شاب إسكندري نحيل مبتسم لثورة لن يدركها، ولكنّ جسده فجّر ثغرة مهمة في جدار فولاذي، وقد اتهم بابتلاع لفافة من البانجو، وقالت الشرطة إنها أدت إلى وفاته، ولم يسأل الملفّقون: وما الداعي للتمثيل برأس الشاب؟ صورته التشريحية مشوهة، طالتها يد باطشة، فتكت بالذقن والفكين، وفرطت الأسنان، وما هكذا يفعل البانجو بالناس! ليتهم استفتوا أي حشاش، وما أكثرهم بين سفاحي وزارة الداخلية، وكتبت صحيفة (الجمهورية) أنه “شهيد البانجو”، وقالها أيضا المذيع خيري رمضان في التلفزيون.

كان خالد سعيد قد تمكن من تصوير مقطع فيديو في الإسكندرية، لأفراد من الشرطة يعيدون تدوير المخدرات، وبثه عبر موقع “يوتيوب”. وجرت العادة أن يستأثر بعض الضباط بجزء من المخدرات المضبوطة، وخصوصا الحشيش، للاستخدام الشخصي، وإذا اتسعت الذمم تجد المضبوطات طريقها إلى الشارع، عن طريق تجار مخدرات، أو مروجين صغار، موثوق بهم.

أراد الحمقى أن ينتقموا لفضيحتهم، فارتكبوا جريمة أدت إلى إطاحة نظام حكم البلاد بالحديد والنار 30 عاما. حدث ذلك يوم 6 يونيو 2010، حيث قبض اثنان من مجرمي الشرطة على الفتى، وعذبوه حتى الموت، ونكاية في أهل خالد سعيد، وفي الغاضبين أخلت النيابة سبيل المتهمين بالقتل. قال أحد الشهود إن الفتى استعطف الشرطي وهو يضرب رأسه: سأموت. ولم يتردد القاتل في الاعتراف بأنه جاء ليقتله. أصبح خالد سعيد أيقونة، بملامح تحتفظ ببقايا طفولة، وابتسامة تقترب من الهشاشة والتفاؤل، ثم بصورته ممثلا به، مشوّها على مقاس تشوه نفسي يعانيه وحوش الشرطة.

لا تكون الثورة ثورة إلا بتحقق العدل، قبل العدالة الاجتماعية، ولكن ما جرى منذ 25 يناير 2011 يؤكد أن خالد سعيد، وما يمثله، يقتل عدة مرات. ففي حين تصدر أحكام قاسية وسريعة على متظاهرين أسهموا في تغيير جعل المشير حاكما، واللواء وزيرا ثم حاكما فعليا للبلاد، حدث هذا:

في أكتوبر 2011 عاقبت محكمة بالإسكندرية الشرطيين المتهمين بقتل خالد سعيد والتمثيل بجثته في السجن لسبع سنوات. وطعنت النيابة والأسرة على الحكم المخفف. وفي 3 مارس 2014 أصدرت دائرة قضائية أخرى حكما بالسجن عشر سنوات على المتهمين. شهداء الثورة لم تقتلهم كائنات فضائية، وعلينا أن نستعيد المقولة القديمة “العدل أساس الملك”. العدل لا القوة.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر