الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

هبت هبوب الشمال..على العربي

خيال مدهش ومرآة صادقة ورقيقة عن مزاج العربي العاشق أو السياسي المستمر والمتواصل حتى القرن الواحد والعشرين.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2014/03/07، العدد: 9492، ص(24)]

تمنيتُ شخصيا لو أن هذه القصيدة السامرية البدوية الرائعة مجهولة القائل التي عاشت مئات السنين في ذاكرة القبائل العربية، تمت معالجتها نقديا والاحتفاء بها بما يليق، لما تحويه من معان مذهلة، تعكس شخصية البدوي الذي عاش في الرقعة الممتدة من نجد إلى الحماد ثم العراق والجزيرة والفرات الأعلى، ولما تتضمنه من طرافة تلك الشخصية ورقّتها إضافة إلى مزاجها المتقلب ما بين الحب والبغض.

تقول بداية القصيدة “نطّيت رجم وأثاري الليل ممسيني/ بديار غُرْب يعلّ السّيل ما جاها” فيبدأ بالوقوف على الأطلال كعادة أسلافه من فحول الشعراء الجاهليين، فيظن المستمع أن الأمور ستسير رومانسية شفافة، ولكنه سيفاجأ بالشاعر وهو يعجّل بالدعاء على المكان الذي يقف فيه (ديار الغرب) التي يتمنى ألا ينزل فيها المطر ولا تجري فيها السيول، لينتقل في البيت الثاني إلى الحزن “أضحك مع اللي ضحك والهم طاويني/طوية شنون الغزو وإن قطّروا ماها” يضحك بينما الهم يطويه كما تُطوى قِرَبُ الماء اليابسة، ثم يسأل عينه” وراكْ ما تزعجين الدمع يا عيني؟/ على هنوف جديد اللبس يزهاها” فيسارع إلى تشبيه حبيبته بالناقة” الهنوف”، ثم يعود إلى وصف المناخ المحيط به فيقول عن الريح “هبّت هبوب الشمال وبردها شيني/ما تدفي النار لو حنا شعلناها” فريح الشمال الباردة تجعل منه يائسا حتى من فاكهة الشتاء، ليصبح العدو هنا هو الطقس، ثم ينخفض مزاجه الحاد ليسترخي في وصف حبيبته مجددا “ما يدفي إلا حشا مريوشة العين/وليا عطشنا شربنا من ثناياها” فأمّ الرموش الطويلة، هي النار التي يتدفأ بها ويطفئ عطشه بها أيضاً، ثم يعود إلى حبيبته بدلا عن صب اللعنات على الغربة والطقس “يا شبه وضحة فتاة ودلّها زيني/ وردَتْ على خبرةٍ والبوش ما جاها” ليعود إلى تشبيهها بالناقة البيضاء التي وردت لتشرب ولم يلحق بها الضالّ المشرّد من الجمال، ولكنه يتذكر سبب علّته وهو العاذل الذي يلومه، فيقول” يعلّ من لامني يُعطى عَمى العيني/ولا بصمعة بصليب الفخذ تشظاها” فيدعو عليه بالعمى، وبأن تصيبه رصاصة في مركز فخذه، ويكمل في تصوّفه الناقم على العاذل” جعله حسير وكسير وراكبه ديني/ وأتلى حلاله ذلول راح يطلاها” فيدعو عليه بأن يكون طريدا، مقعدا، مديونا، بقيت لديه من الأملاك، ناقة وحيدة جرباء، فيدعو عليه بأن ينشغل عن لومه ونهيه عن الحب بطلائها بالزفت كي يعالج جربها، خيال مدهش ومرآة صادقة ورقيقة عن مزاج العربي العاشق أو السياسي المستمر والمتواصل حتى القرن الواحد والعشرين.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر