الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

كمال خليل منادي الثورة

كل من نال حظا من الثورة، وما قبلها من احتجاجات ومسيرات، يطمئن على المظاهرة في وجود كمال خليل، بقدرته على ابتداع الهتاف الموجز الجاذب، خفيف الظل دائما.

العرب سعد القرش [نُشر في 2014/03/11، العدد: 9494، ص(8)]

لم تنجح الثورة المصرية، إلى الآن، لنُدرة الثوار من فصيلة “كمال خليل”. انفضَّ ميدان التحرير بعد خلع مبارك في 11 فبراير 2011، وبدلا من الوعي بضرورة بدء الثورة، فجر اليوم التالي مباشرة، أصبحت الثورة ذكرى لها ما بعدها. “ما بعد الثورة” يشمل مناصب وتقديم برامج تلفزيونية، وامتلاك أسهم في فضائيات وصحف، والسعي لنيل ألقاب ذات علاقة بالثورة. كل ذلك أدى ويؤدي إلى الثروة لا الثورة.

ظل كمال خليل في الشارع، يدعو لاستكمال استحقاقات الثورة، عازفا عن الظهور في دور البطولة، لأن الثورة ليست تمثيلية. كانت الثورة حصاد سنوات من النضال، فلا يحدث انطلاق عاصف إلى من منصة قوية. في عام 2005 اندهش صديقي التونسي من هتاف كمال خليل: “باسم سبعة مليون عاطل.. ترشيحك يا مبارك باطل”، وقال إن مرشحا تونسيا للرئاسة دعا أنصاره لمنح أصواتهم لزين العابدين بن علي. كان سلّم نقابة الصحفيين يتأهب ليصبح منصة للحركة المصرية من أجل التغيير (كفاية)، ومن قبلها ومعها، ظل كمال خليل، هذا النحيل يراهن على الثورة، ويدعو إليها.

كل من نال حظا من الثورة، وما قبلها من احتجاجات ومسيرات، يطمئن على المظاهرة في وجود كمال خليل، بقدرته على ابتداع الهتاف الموجز الجاذب، خفيف الظل دائما. تذكرني ابتسامته بابتسامة متفائلة لازمت محمود أمين العالم، وكلاهما يمتاز بمحبة الناس، لا يفرق بين يسار ويمين ديني. لم يقتصر سحر إيجاز كمال خليل على الدفاع عن العمال، بل امتد أيضا لخيرت الشاطر، حين اتهمه نظام حسني مبارك بغسل أموال في قضية (سلسبيل): “خيرت خيرت يا أخانا.. كيف العتمة في الزنزانة؟”. ولكني ضبطت كمال خليل صامتا، مرة واحدة، في وقفة احتجاجية تخص شهداء ماسبيرو، وكان ذلك حدثا.

أختلق هذه المناسبة لأقدم للرجل اعتذارا؛ ففي كتابي “الثورة الآن” نسيت كثيرا من أصدقاء 25 يناير 2011.

نشوة الفرح بخلع مبارك أربكت الذاكرة، وحين ذهبت السكرة، كان الكتاب منشورا، ولم أستطع إصلاح السهو في الطبعة الثانية، واكتفيت بكتابة عرفان في صفحتي على الفيسبوك. اعتذرت إلى كثيرين.. منى أنيس، هالة لطفي، دينا قابيل، يوسف وهيب، هالة خليل، عفاف السيد، عزة مغازي، أحمد العايدي، النقيب ماجد بولس. ولكني لم أعتذر إلى جورج إسحق وكمال خليل؛ فلا يكفي أن يرد اسم أي منهما في جملة عابرة. جورج إسحق أول منسق عام لحركة (كفاية)، وكمال خليل لا تكتمل مسيرة إلا بحضوره، كأنه خلق صوتا للناس، ينشد الحرية والكرامة، ويمنح طاقته ووقته لما يراه حقا وعدلا.

لكن المهندس النحيل صاحب الشعر الأبيض، الذي تخلي له المظاهرات مكان الصدارة، وجد أخيرا خلو البال الذي جعله يكتب طرفا من مذكراته “حكايات من زمن فات”، عن محاكمات ومطاردات ضباط مباحث أمن الدولة، ورفاق المعتقلات. سيرة تشبه مواطنا لا يدعي بطولة، ولا يفتعل التواضع لأنه يعيشه. هنا يقدم بانوراما لضحايا النظام من ماركسيين حالمين بالعدل، وإسلاميين ينتظرون خرافة دولة الخلافة، فتتسع مذكراته لبعض رموز جماعة الإخوان المسلمين، مع أحمد فؤاد نجم وزين العابدين فؤاد وأحمد إسماعيل والدكتور محمد أنيس (1921 ـ 1986) أستاذ التاريخ بجامعة القاهرة، ومنه تعلم كمال خليل كيف يكون الثائر وثيق الصلة بالجماهير.

كان محمد أنيس مثالا للمثقف العضوي، إذا استعرنا مصطلح غرامشي، فلا يتحدث عن الشيء ولكنه يحياه. قابل تشي غيفارا حين زار القاهرة، ولكنه “كان ضد منهج حرب العصابات في العمل الثوري. كان يتحدث أمامنا عن الظروف الموضوعية ونضج العملية الثورية.. أعترف بفضله علي في دفعي للعمل الجماهيري”.

أثمرت التوعية السياسية في كمال الذي رأى محمد أنيس للمرة الأولى، وهو طالب في كلية الهندسة، كان بصحبة مجموعة من الشباب، “يقطعون أحد أكوام القمامة بالفؤوس والمقاطف”، يقومون بحملة نظافة. سلوك حضاري يتم في صمت، بعيدا عن الكاميرات والإعلام، إذ كان أنيس يستنكر انعزال المثقفين والمتعلمين عن مشاكل الجماهير، “ويعملوا فيها أفنديات”، وكمال خليل أخجله أن يرى أستاذ الجامعة يخصص صباح كل جمعة لإزالة أكوام القمامة، ثم يتحدث مساء في ندوة لتوعية الجماهير في أحد المقاهي.

تفتح وعي كمال في نهاية الستينات، وخاض أولى تجاربه في العمل السياسي عام 1969، وتكرر اعتقاله في السبعينات، وهي الفترة التي يتناولها الكتاب، إذ ينتهي باغتيال السادات يوم 6 أكتوبر 1981 على أيدي إرهابيين أخرجتهم ثورة 25 يناير من ظلام المعتقلات، ليتحدثوا عن الديمقراطية والشرعية.

ولد كمال خليل مرتين.. الأولى كما يولد أي طفل، والثانية هي ميلاده الحقيقي، حين قرر ترك محاضرة الميكانيكا عام 1968، لكي يشارك في مظاهرة. في ذلك اليوم اكتشف قدرته على كسر حاجز الخوف والتردد. التجاوز النفسي لهذا الحاجز لدى كل إنسان “هو ميلاد جديد”، وفي العام التالي كان على موعد مع مصادفة وضعته وجها لوجه مع غيفارا، حيث عثر على نحو 100 ورقة، تحت نخلة في حرم الجامعة، مطبوع فيها قصيدة نجم (غيفارا مات) التي غناها الشيخ إمام عيسى. كانت القصيدة أول منشور ثوري يقرأه كمال في الجامعة، وتساءل: من يكون أحمد فؤاد نجم؟ ثم انشغل عن مؤلف القصيدة بتولي مهمة توزيعها على طلاب كلية الهندسة.

في الكتاب توثيق لبدايات تحالف السادات مع الإخوان، بدايات جسدتها لافتة علقت في الجامعة في أكتوبر 1972، كتب عليها “حزب الله في مواجهة حزب الشيطان”، وقد نجح السادات في أن يصرف صراع الحركة الطلابية ضد دولة دكتاتورية، إلى صراع بين الشيوعيين والإسلاميين في الجامعة، مستخدما أدوات النظام، وأدوات يمين ديني متطرف يجيد استخدام “سلاح التكفير ضد الطلاب المعارضين.. لم يكن النظام يدرك أن نفس السلاح سوف يستخدمه التيار الإسلامي في اغتيال رأس النظام وذبحه في ظهيرة 6 أكتوبر 1981 لأنه كافر لم يحكم بما أنزل الله”، وهو ما ردده الإرهابيون في المحاكمات.

لا يتخذ كمال خليل دور المعلم، ولا يتهم أحدا بشيء، حيث يكون الحق والثورة يكون صوتا، إلا أنني ضبطته صامتا، مساء 9 أكتوبر 2013، في ذكرى مذبحة ماسبيرو. وقف شباب يهتفون ضد حكم العسكر أمام مبنى الإذاعة والتلفزيون، وفصل بيننا وبينهم الطريق، كنا نحمل لافتات وشموعا تليق بجلال الشهداء.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر