الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

روسيا بين راسبوتين ورأس بوتين

ينشغل الناس برأس بوتين وما فيه من أوهام قيصرية ويهملون الشعب الروسي الذي يمكن أن يغيّر كل شيء بانتفاضة عارمة.. الأمر الذي يقف بسببه شعر رأس بوتين أكثر من أي شيء آخر.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2014/03/14، العدد: 9497، ص(24)]

لا يفهم أهل الشرق الأوسط الشخصية الروسية، ويعتقدون أن الشعب هناك كله مثل ستالين أو راسبوتين، القسيس المحتال الذي ظهر في أواخر العهد القيصري في روسيا، ليسحر نساء المجتمع المخملي، منوّراً لهن طريق الخلاص والتسامح في مخادعهن، ثم أخذ يفتي للقيصر بشن الحروب، حتى حاول الأمراء تسميمه ولكنه لم يمت فقتلوه بالرصاص.

أما الشخصية الروسية الحقيقية فهي تلك الملايين التي خدعها راسبوتين، ومثالها الأعلى ذلك الموظف الذي كتب عنه تشيخوف قصته الشهيرة، فذات مساء رائع كان إيفان تشرفياكوف، الموظف الذي لا يقل روعة، جالسا في الصف الثاني من مقاعد الصالة ،…ثم عطس، ولكنه رأى عجوزاً يجلس أمامه في الصف الأول يمسح صلعته ورقبته بقفازه ويدمدم بشيء ما، فعرف إيفان أن العجوز هو الجنرال بريزجالوف الذي يعمل في مصلحة السكك الحديدية، وقال إيفان لنفسه: ” لقد بلّلته، إنه ليس رئيسي بل غريب ، ومع ذلك فهو شيء محرج، ينبغي أن أعتذر”، وتنحنح إيفان ومال بجسده إلى الأمام وهمس في أذن الجنرال: “عفوا يا صاحب السعادة ، لقد بللتكم، لم أقصد”، ولكن القصة لم تنته هنا، فقد بدأ إيفان يقلق و يتصوّر أن الجنرال سيؤذيه بسبب نفوذه، فاستشار زوجته فطلبت منه أن يذهب إليه ويكرّر الاعتذار مجدداً، ولكن الجنرال لم يكترث فاعتبر إيفان أنه يخطّط للانتقام منه، فعاد ليعتذر منه مجدداً فغضب الجنرال وصرخ في وجه إيفان، ثم كتب تشيخوف “تمزّق شيءٌ ما في بطن تشرفياكوف، وتراجع إلى الباب وهو لا يرى ولا يسمع شيئا، وخرج إلى الشارع وهو يجرجر ساقيه، وعندما وصل آلياً إلى المنزل استلقى على الكنبة دون أن يخلع حلّته … وماتْ” كان الروسي بسيطاً طيباً ، أما صورة الروسي في زمن بوتين فقد تشوّشت ولم يعد يظهر منها غير “رأس بوتين” بدلاً عن تشيخوف وإيفان، فصار يحلو للزعيم غزو العالم، بالأدوات الراسبوتينية ذاتها، إنه هو الذي يتندر عليه الروس اليوم بطرفٍ كثير منها تلك التي يروون فيها أن بوتين ذهب الى الحلاق، وبينما كان الأخير يقص شعره أكثر عليه الاسئلة عن الشيشان مثرثراً كعادة الحلاقين، فغضب بوتين و سأل الحلاق: “لماذا تطرح عليّ كل هذه الاسئلة عن الشيشان؟ هل أنت خائف منهم؟ فأجابه الحلاق: “لا مطلقاً يا سيدي ولكني كلما لفظت كلمة شيشان يقف شعر رأسك، مما يسهل علي القصّ”.

ينشغل الناس برأس بوتين وما فيه من أوهام قيصرية ويهملون الشعب الروسي الذي يمكن أن يغيّر كل شيء بانتفاضة عارمة.. الأمر الذي يقف بسببه شعر رأس بوتين أكثر من أي شيء آخر.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر