الاحد 26 مارس/اذار 2017، العدد: 10583

الاحد 26 مارس/اذار 2017، العدد: 10583

نسبية الأسافل

دللت التجربة التاريخية أن الطغاة هم ألد أعداء طموحات العرب في الحد الأدنى من التكامل، حسبنا مثال سوريا والعراق لنتأكد من عجز الطغاة الإرادي في تحقيق الوحدة.

العرب أحمد برقاوي [نُشر في 2014/03/15، العدد: 9498، ص(8)]

يتخصص الأسافل في جملة ما يتخصصون بتشويه المعنى، وذلك محاولة منهم ارتداء لباس المعنى تستيرا لقبحهم وظنا أنهم قادرون على الاحتفاظ بحظ من القبول في عالم إنساني تم طردهم منه. فهم في دفاعهم عمن يغتال الحياة ومشاركتهم القتلة في الاغتيال يبحثون عن مبرر لوعيهم الزائف.

وأمام محاولات الأسافل هذه لا يجدون أمامهم إلا مفهوم النسبية، فيقومون بإعدامها أو طعنها أو سجنها تماما كما يفعل ذاك الذي يدافعون عنه ويختطفونها من معناها العلمي والفلسفي تماما كما يختطف سيدهم الأحرار من الشوارع والبيوت. النسبية- خارج حقل العلم الآينشتايني- تأكيد لحرية التفكير في حقل من حقول الإنسانية ولا تهدم المعايير التي تحافظ على الحقل ووجوده.

ففي عالم القيم هناك مفهوم الشرف، فما من أحد يقول إن اغتصاب المرأة ينتمي إلى السلوك الشريف بحجة نسبية مفهوم الشرف، فلا يعود هناك فارق- والحالة هذه- بين الحب والاغتصاب. أن يكون “مثقف” مع الدكتاتورية انطلاقا من نسبية الموقف فهذه وقاحة من فقد الحياء. تأمل معي قولا زائفا صادرا عن كائن يريد أن يُقبل بوصفه- مبررا للقتل- ألا وهي أننا مختلفون في طريقة حب الوطن.

هذا الكائن “الشاطر” يريد أن يساوي نفسه وما شابهه بأولئك الذين ينتمون قولا وفعلا لمعركة الحرية والتحرر والثورة عبر مفهوم الاختلاف الزائف والنسبي في حب الوطن. هذا ليس اختلافا في الحب وطريقة التعبير عنه، بل وليس تناقضا فقط إنه تضاد. أيّ حبٍ هذا إذا كنت مع موت الوطن وقتل بنيه وإهدار كرامتهم وتدمير مساكنهم ومصادرة مستقبلهم وخنق حرياتهم.

يطل عليك عقل متكلّس ما عاد له علاقة بالضوء، وباسم نزعة قومية زائفة يشتم ثوار وطن أبدع الفكر القومي وخانته عصبية أضيق من ثقب ضب في الحقل الواسع.

كيف يكون الكائن مدافعا عن أمة حرة ولا يكون مع وطن حر. هل هي أيضا نسبية الموقف القومي الوطني. لا يستقيم الدفاع عن المشيئة الحرة للعرب دون الدفاع عن مواطنين أحرار. لا يستقيم الموقف من وحدة مصالح العرب، إلا إذا كان العرب مواطنين أحرارا في تحقيق مصالحهم.

دللت التجربة التاريخية أن الطغاة هم ألد أعداء طموحات العرب في الحد الأدنى من التكامل، حسبنا مثال سوريا والعراق لنتأكد من عجز الطغاة الإرادي في تحقيق الوحدة. هل من الحداثة أن ينال حداثوي من التمرد العربي باسم الحداثة وخوفا من الأصولية. منذ زمان والأنظمة “العسكرتارية” العربية الدكتاتورية تضع الشعوب أمام خيارين: إما حداثة طاغية كاذبة تقمع باسم الأمة وفلسطين، وإما أصولية قامعة باسم الدين.

وإذا أحسنا النية بأصحاب الحداثة المدافعين عن الطغاة، فإنهم قد وقعوا في شرك السلطة المستبدة الخبيثة. إنهم وهم ينطلقون من نسبية نظام الحكم فرحين بالأشكال الخارجية لحداثة زائفة يخافون من ثورة شعب من أجل حداثة حقيقة، الحداثة الحقيقة لا تقوم دون انتصار المواطن الحر. وما الأصوليات التي ظهرت على هامش الثورات، إلا بقايا الوعي السلطوي الحاكم الذي أنتج ثقافة النفي والإقصاء.

والثورات العربية في حقيقتها ثورات حرية وخبز، ثورات تحرر، ثورات من أجل الأرض السعيدة وليس من أجل الوسخ التاريخي الأصولي الداعشي وما شابه ذلك. الحداثة الحقيقية ضد أي نوع من الوسخ التاريخي فلا يصح الدفاع عن وسخ تاريخي خوفا من وسخ آخر باسم نسبية الأمور.

أما ثالثة الأثافي أن تجد بعضا من أهل اليسار العربي شاهرا سيفه ضد المؤامرة التي يظن أن أوروبا وأميركا تقوم بها للمنطقة، لتدمير أنظمة الحكم فيها وإشاعة الفوضى الخلاقة التي بشروا بها.

ليس هناك سبب لدحض هذا القول، ولكن ماذا يعني أن تكون يساريا إذا لم تكن مع ثورة الشعوب ضد الدكتاتورية والفقر، ماذا يعني أن تكون يساريا دون أن تقف مواجها لكل أشكال هزيمة الإنسان على الأرض. ليس هناك يسارية نسبية في حقل الدفاع عن حق الشعوب، بل إن الوقوف ضد حق الشعب في تقرير مصيره الإنساني موقف متطرف العداء للشعوب. نسبية الأسافل أسوأ أنوع الهروب من الموقف الأخلاقي والإنساني والموضوعي.

كاتب فلسطيني وأستاذ الفلسفة في الجامعات السورية

أحمد برقاوي

:: مقالات أخرى لـ أحمد برقاوي

أحمد برقاوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر