الثلاثاء 30 مايو/ايار 2017، العدد: 10648

الثلاثاء 30 مايو/ايار 2017، العدد: 10648

إخوة الدم والمصير: الفلسطينيون والثورة السورية

لم يكن حال الفلسطينيين سياسيا وأمنيا يختلف عن حال السوريين في ظل تغول الأجهزة الأمنية وهيمنتها على الحياة السياسية والاجتماعية في سوريا.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2013/07/25، العدد: 9276، ص(9)]

لا يمكن فهم علاقة الفلسطينيين في سوريا بالثورة الشعبية دون الحديث عن العلاقة التاريخية التي نشأت بين الشعبين الفلسطيني والسوري، لاسيما بعد النكبة ولجوء مئات الألوف منهم إلى الأراضي السورية، حيث تمتع الفلسطينيون في سوريا بكامل الحقوق التي يتمتع بها الشعب السوري، من حيث الحق في الوظائف والتملك والتعليم، ما ساهم إلى حد كبير في التخفيف من معاناتهم الإنسانية، وتأمين سبل الحياة الكريمة لهم وإشعارهم بوحدة المصير والدم، بصورة تعزز معها اندماجهم في المجتمع السوري، دون أن يكون ذلك على حساب احتفاظهم بهويتهم الفلسطينية وتمسكهم بحقوقهم الشرعية في العودة وتقرير المصير.

لذلك لم يكن مستغربا أن تكون الانطلاقة الأولى للعمل الفلسطيني المسلح في 1 كانون الثاني 1965 من الأراضي السورية. لقد احتضن السوريون الشعب الفلسطيني وجعلوا من قضيته العادلة قضيتهم الأولى، فلم يبخلوا بالدعم والمساندة حتى باتت تلك العلاقة تكتسب خصوصيتها المميزة بالنسبة للفلسطينيين عن جميع الأقطار العربية الأخرى التي لجأوا إليها، الأمر الذي جعلهم ينخرطون في كل مجالات الحياة، وينالون فرصاً مساوية للسوريين في العمل والتعلم، ولم يكن يضير السوريين مثلاً أن يهيمن الفلسطينيون قبل عقود على أقسام وزارة التربية، حتى عمد نظام الأسد بعد الثمانينيات إلى تغيير هذا الطابع، والمجيء بمناصريه وأبناء طائفته لكي يستولوا على تلك الإدارات والوظائف، في إطار خطته للهيمنة على مؤسسات الدولة المختلفة.

تركز وجود الفلسطينيين في سوريا بعد نكبة 1948 في مجموعة من المخيمات الخاصة بهم في المدن الرئيسة مثل مخيمات اليرموك وفلسطين وخان الشيح في دمشق التي يوجد فيها القسم الأعظم من اللاجئين، ومخيم النيرب في حلب، ومخيم حمص، ومخيم الرمل الفلسطيني في اللاذقية، ومخيم الفلسطينيين في درعا.

مع مرور الوقت، وبفعل سياسة الاحتضان الخاصة، التي تم التعامل من خلالها معهم بدأت تلك المخيمات بالانتعاش والتوسع العمراني، حتى أصبحت بعد عقود قليلة جزء أساسياً من المخطط التنظيمي لتلك المدن، وباتت تتداخل فيها هويات ساكنيها تعبيراً عن حالة الاندماج الاجتماعي بين السوريين والفلسطينيين، الذين انتقل بعضهم أيضاً من تلك المخيمات للإقامة في مناطق مختلفة من المدن السورية، وهو ما زاد من عملية الاندماج في الواقع السوري.

في ظل هذا الواقع كان من الطبيعي أن يخضع الفلسطينيون كسائر السوريين لهيمنة الأجهزة الأمنية والحزبية، لاسيما بعد محاولات النظام احتواءهم، سواء من خلال تنظيم حزب البعث أو الفصائل الفلسطينية الموالية له، وكان طبيعيا أن يواجه أي موقف أو معارضة لسياسة النظام بالقمع والاعتقال، بل كثيراً ما كانت مخيمات دمشق بصورة خاصة تتعرض في وقت الأحداث الخطيرة لعمليات التطويق بالدبابات، وتجري عمليات المداهمة الواسعة والاعتقال للناشطين الفلسطينيين، كما حدث عام 1975 إثر مجزرة تل الزعتر أو أثناء الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، وبذلك لم يكن حال الفلسطينيين سياسيا وأمنيا يختلف عن حال السوريين في ظل تغول الأجهزة الأمنية وهيمنتها على الحياة السياسية والاجتماعية في سوريا.

بعد وصول حافظ الأسد إلى السلطة عام 1970 كان أول ما قام به هو منع المقاومة الفلسطينية من العمل من داخل الأراضي السورية، وإجبارها على مغادرة الأراضي السورية باتجاه لبنان، وعندما انفجرت الحرب الأهلية اللبنانية قام بإدخال قواته إلى لبنان لتحقيق هدفه الاستراتيجي للسيطرة على لبنان بحجة حماية المسيحيين، فارتكب مجزرة تل الزعتر المعروفة، وخاض معاركه الشرسة ضد المقاومة الفلسطينية في الجبل، ثم كلف حلفاءه بمحاصرة المخيمات هناك.

وقبل الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982 قام بسحب قواته العسكرية من مواقعها المتقدمة في البقاع الغربي وجنوب لبنان ليترك المقاومة الفلسطينية وحيدة في مواجهة هذا الغزو، بغية تحقيق هدفين اثنين، أولهما تطمين إسرائيل بأن وجوده في لبنان لن يكون على حساب المصالح الإسرائيلية وسعيها لإخراج المقاومة الفلسطينية من لبنان، وثانيهما التفرد بالهيمنة على الساحة اللبنانية. لكن تحالف شارون مع اليمين اللبناني جعل الجيش الإسرائيلي يتولى مهمة إخراج الجيش السوري من منطقة بيروت الكبرى وتدمير قواته في مناطق الجبل.

واستكمالاً لتلك الأهداف والسياسات الخيانية اندفع النظام بقواته العسكرية للقضاء على محاولة المقاومة الفلسطينية للعودة إلى لبنان، فكانت معاركه الواسعة التي خاضها ضد المقاومة وأنصارها من القوى اللبنانية في شمال لبنان، ومحاصرته لمخيم البداوي واجتياح مدينة طرابلس، ما أجبر المقاومة الفلسطينية وقائدها الراحل ياسر عرفات على مغادرة لبنان.

لم تكن تلك المعارك التي خاضها النظام إلا جزءاً من مخططه الاستراتيجي للاستفراد بالهيمنة الكاملة على الساحة اللبنانية، بعد أن سحبت الورقة الفلسطينية من يده بعد انكشاف دوره التآمري على المقاومة الفلسطينية، لاسيما أثناء الاجتياح الاسرائيلي للبنان.

إن نظام الأسد الذي كان يدرك أن تلك الاستراتيجية تتقاطع مع المصلحة الإسرائيلية في منع عودة المقاومة إلى لبنان نهائياً، لجأ في خطوة جديدة لإنهاء أي وجود للمقاومة في لبنان إلى اعتقال جميع القيادات الفلسطينية وكوادرها وزجها في سجونه مطلع التسعينيات، وبذلك وجدت إسرائيل في وجوده في لبنان خدمة لأمنها مما سهل التفاهم بينهما على هذا الوجود وحدوده. من خلال هذه الدور المشبوه الذي لعبه نظام الأسد ضد المقاومة الفلسطينية كان من الطبيعي أن يدرك الفلسطينيون خطورة هذا الدور الذي يقوم به على المقاومة والقضية الفلسطينية، لاسيما من خلال سعيه المحموم لمصادرة القرار الفلسطيني والتحكم فيه بما يخدم أهدافه.

لقد انكشف هذا الدور التآمري على الشعب الفلسطيني وقضيته مع اندلاع الثورة السورية عندما لجأ النظام عبر أدواته الفلسطينية ممثلة بالجبهة الشعبية – القيادة العامة إلى التغرير بالشباب الفلسطيني لاجتياز خط وقف النار في جبهة الجولان تحت ذريعة تأكيد حق العودة، ما أدى إلى سقوط أكثر من عشرين شهيداً، الأمر الذي أثار الرأي العام الفلسطيني في المخيمات الفلسطينية ودفعها للتظاهر منددة بالدور التآمري لأحمد جبريل، الذي عمدت عناصره للرد بإطلاق النار على التظاهرة وقتل وجرح العشرات من الفلسطينيين، تماهياً مع الدور الذي كانت تقوم به قوات النظام تجاه المظاهرات السلمية في المدن والأرياف السورية.

لم يكتف النظام بهذه الخطوة، بل عمل جاهداً على زج الفلسطينيين في معركته ضد الشارع السوري المنتفض من خلال أدواته، كالجبهة الشعبية التي كلفها بالسيطرة على المخيمات، ومنع قيام أي تحرك شعبي فيها مناهض لسياسة القتل والإجرام التي يتبعها، إضافة إلى محاولة الزج بجيش التحرير الفلسطيني بهذه المواجهة، وعندما امتنع الكثير من قياداته وعناصره عن الاستجابة لمطالب النظام قام بارتكاب أكثر من مجزرة بحق تلك القيادات والجنود، واتهام المعارضة بالقيام بها بغية تحريض قياداته والشارع الفلسطيني ضد الانتفاضة، لكن تلك السياسة باءت بالفشل بفعل وعي ويقظة الفلسطينيين، الذين أدركوا من البداية أن النظام يريد زجهم في مواجهة مع الشعب السوري، الذي يجمعهم معه وحدة الدم والمصير والقهر.

إن معاناة الفلسطينيين في سوريا على جميع المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، لم تكن تختلف عن معاناة السوريين، إذ كانوا جزءاً من نسيجه العام، وبذلك لم يكن الفساد المنتشر في صفوف التنظيمات الفلسطينية التابعة للنظام يختلف عن الفساد المنتشر في الواقع السوري عموماً، بل كان امتداداً له، بعد أن تحولت تلك المنظمات إلى شريكة للنظام وجزء أساس من عمليات الفساد والنهب التي كانت تمارسها أجهزة النظام ورموزه، وهو ما انعكس سلباً على واقع حياة الفلسطينيين، كما كان الحال بالنسبة لقطاعات الشعب السوري الأخرى، الأمر الذي زاد من نقمتهم على تلك الممارسات ومن شعورهم بالظلم الذي يشتركون فيه مع أخوتهم السوريين.

لكن الأخطر من كل هذا هو لجوء النظام، في بداية الانتفاضة السورية، إلى اتهام الفلسطينيين في مخيم درعا بأنهم من يقفون وراء الأحداث في تلك المحافظة التي شهدت بداية انطلاقة الانتفاضة، في محاولة لإظهار الانتفاضة بأنها مؤامرة تحركها أدوات خارجية، وبأن الواقع السوري بعيد عن حدوث أي انتفاضة شعبية، كما حدث في تونس ومصر وليبيا.

إن هذا السلوك المعادي للفلسطينيين ومحاولة تحريض السوريين عليهم بوصفهم أدوات تآمر وتخريب على الساحة السورية يكشف انعدام الضمير الأخلاقي والسياسي عند هذا النظام، الذي عمد إلى استخدام الفلسطينيين كفزاعة تفضح حقيقة موقفه من القضية الفلسطينية، وبالتالي تكشف زيف ما يدعيه من ممانعة ودعم للمقاومة بهدف التغطية على طبيعته اللاوطنية وسياساته النابعة من مصالحه الفئوية على حساب المصالح الوطنية والقومية معا.

وعندما لم تستطع تلك السياسة أن تقنع أحداً في الشارعين الفلسطيني والسوري عمد إلى مهاجمة حي الرمل الفلسطيني في مدينة اللاذقية بالدبابات والمدفعية والبوارج الحربية بحجة القضاء على جيوب الإرهابيين في تلك المناطق، ما أدى إلى سقوط العشرات بين قتيل وجريح واعتقال وتشريد المئات من سكان المنطقة وتدمير عشرات المنازل في هذا الحي المزدحم الذي قام باحتلاله وتقطيع أوصاله بالحواجز العسكرية. كذلك لم تنج المخيمات الفلسطينية الأخرى من إرهاب النظام وقمعه وحملات الاعتقالات الواسعة والقصف الذي جعل حوالي 80 بالمئة من سكان تلك المخيمات ينزحون عنها باتجاه دول الجوار كالأردن ولبنان أو نحو المناطق الداخلية في تغريبة جديدة يكابدون فيها مرارة اللجوء والتشرد مرة أخرى.

إن سياسة العقاب الجماعي والوحشي لمخيمات الفلسطينيين لا تنفصل عن سياسة النظام الإجرامية تجاه شعبه، وهو ما يؤكد وحدة المعاناة والمصير بين الشعبين السوري والفلسطيني، ويجعل بالتالي حرية الشعب الفلسطيني واستقلال قراره جزءاً من حرية الشعب السوري واستقلاله، وأن انتصار الثورة السورية هو انتصار للقضية الفلسطينية، التي سوف تكسب حليفاً أساسياً إلى جانبها لا يمارس وصايته عليها، أو يستخدمها ورقة في سوق المساومة الإقليمية والدولية.

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

العالم الآن

:: اختيارات المحرر