الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

غيرة الحرير

كي ترضي الحكومة العثمانية القناصل الأجانب، قامت بتطبيق أقسى العقوبات على أهل دمشق (لسكوتهم على المجازر) فأمرت بنفي التجار والعلماء وتشتيتهم في أصقاع الأرض من الهند إلى اليونان وغيرها.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2014/03/21، العدد: 9504، ص(24)]

كانت دمشق مركزا تجاريا عالميا حتى القرن التاسع عشر، ظهرت فيها طبقة رفيعة من التجار، بفضل نفط ذلك الزمان، الذي كان يجري تصنيعه في حاراتها القديمة، وتسويقها من ثم إلى أنحاء العالم، وكان ذلك النفط هو الحرير الدمشقي، الذي اشتهر مسيحيو الشام بنسجه على الأنوال في بيوتهم في القصاع وباب توما، ذلك الحرير الذي عرف بالدامسكو والبروكار والذي طلب قصر باكنغهام أن يكون أحد أغراض جهاز العروس الجديدة الملكة اليزابيث الثانية في الخمسينات من القرن العشرين، وكان القماش الذي ارتدته الملكة ذا خلفية بيضاء وعليه رسم طيرين عاشقين وعلى جناحيهما خيوط من الذهب.

ولكن العام 1864 شهد ما عرف بطوشة النصارى التي اندلعت فيها الاشتباكات بين الأهالي، بتدبير قناصل الدول الغربية، الذين أرادوا تدمير تلك التجارة، وعرضوا على الفور على النساجين المسيحيين السوريين، توطينهم في الريف الفرنسي والإنكليزي، لينقلوا تلك الصناعة الثمينة إلى العالم الغربي، ولكن الأمير العظيم عبدالقادر الجزائري منعهم من الهجرة واستضافهم عنده في بيوته في العمارة البرانية وفي دمّر وكانوا قرابة العشرين ألفا.

وكي ترضي الحكومة العثمانية القناصل الأجانب، قامت بتطبيق أقسى العقوبات على أهل دمشق (لسكوتهم على المجازر) فأمرت بنفي التجار والعلماء وتشتيتهم في أصقاع الأرض من الهند إلى اليونان وغيرها، فتغيّرت التركيبة السكانية للمدينة العريقة، وحلّ محل هؤلاء من كان متوافقا مع الولاة، وهم شطّار الشام والفهلوية، فتقدم القرن العشرون بهم، وهم من أصبحوا صفوة الناس وكبار الأثرياء الجدد فيما بعد، ليتحالفوا مع السلطات التي قامت في سوريا، مع استمرار بعض الأصلاء هنا أو هناك.

وانتهج أهل الشام بمدنيّتهم السباقة، بعد ذلك، نهجا ساخرا متهكما على كل شيء، فلم يعد يعنيهم ما يحدث، وإن فاض الغيظ بأحدهم تصرّف على نحو غريب جدا، فقبل تلك الأحداث بمئة عام دوّن لنا تاريخ دمشق أحد حلاقيها ولكن أكثرهم شهرة وتبجيلا، إنه أحمد البديري الحلاق، الذي كان يسمع القصص ويدوّنها، فلم يكن لدينا غيره لينقل لنا صورة تلك المرحلة التاريخية، كتب البديري عن سنة 1156 للهجرة “وفي اليوم الرابع عشر من شهر رمضان من هذا العام، ألقى رجل نفسه من أعلى منارة جامع الدقاق إلى الأرض؛ فهلك سريعا، بعد أن تكسر جسمه؛ واسمه الشيخ حسن بن الشيخ يوسف الرفاعي. فسألنا عن سبب ذلك، فقيل لنا إن أخا زوجته أتى بامرأة إلى بيته، وكانت من الخاطئات، فنهاه عن ذلك، فنهره وضربه، فذهب فأخبر أكابر الحارة، فلم يلتفتوا إليه لأنهم فوق ذلك بالانغماس، فذهب إلى جامع الدقاق، وصلى الصبح مع الإمام، وصلى على نفسه صلاة الموت، وصعد المنارة ونادى: يا أمة الإسلام، الموت أهون، ثم ألقى نفسه إلى الأرض، عفا الله عنه”.. وعنّا.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر