الخميس 21 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10758

الخميس 21 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10758

ثقافة السلطة الطاردة

غربة الشاعر علي الجندي كغيره من الكتاب والشعراء السوريين الذين رفضوا التدجين، وابتعدوا عن مزرعة علي عقلة عرسان.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2014/03/24، العدد: 9507، ص(15)]

الثقافة العربية عموما والسورية خاصة ثقافة طاردة، لأن موقع المثقف والمبدع فيها يتحدّد وفقا لموقفه من السلطة القائمة، وانخراطه في عملية الدعاية والفساد والترويج لسياسات الحاكم الملهم. علي الجندي شاعر من أهمّ رموز الحداثة الشعرية السورية، ومع ذلك مات غريبا كما عاش سنواته الأخيرة في منفاه الاختياري بمدينة اللاذقية الساحلية.

مع وصول البعث إلى السلطة عمل في وزارة الإعلام وكان يمكن له أن يترقّى في موقعه الوظيفي عاليا لو أنه ركب موجة الانقلابات المتتالية، وكرس نفسه كمثقف سلطة. على النقيض من ذلك كان زاهدا في الوظيفة والامتيازات ولم ينحز إلا لقناعاته وقيمه الوطنية التي ظل وفيا لها طوال حياته. لذلك همًشته المؤسسات الثقافية والإعلامية السورية، ولم يكرمه أحد في ظل سلطة قزمت الجميع وحولتهم إلى أتباع ومطبّلين.

آخر مرة التقيته في مبنى اتحاد الكتاب العرب. كان يجلس وحيدا وحزينا يمرّ به أشباه الكتاب وكتبة التقارير الذين أصبح الاتحاد مرتعا لهم دون أن يلتفت إليه أحد، وهو الذي ساهم مع عدد من أهمّ كتاب سوريا في إنشائه عام 1969. كان قد جاء لإنجاز إجراءات تقاعده بعد أن هجر الاتحاد منذ جرت عملية تزوير انتخاباته عام 1981 كبداية لمرحلة الانهيار في مسيرة هذا الاتحاد.

غربة الشاعر كغيره من الكتاب والشعراء السوريين الذين رفضوا التدجين، وابتعدوا عن مزرعة علي عقلة عرسان، الشخصية التي لعبت أسوأ دور في تاريخ الحياة الثقافية السورية، لم تقتصر على علاقته بالاتحاد، بل تجاوزت ذلك إلى علاقته بالمدينة الأثيرة عنده دمشق، بعد أن تحوّلت إلى محمية أمنية وعسكرية يسوسها المرابون واللصوص والسماسرة.

لذلك لم يعد يجد فيها مكانا له ولفوضويته وحزنه، فكانت تغريبته الأخيرة ورحلته مع الصمت والعزلة في وطن مختطف. عندما التقيته في الاتحاد كان بحاجة إلى من يسنده، حتى يستطيع نزول درج الاتحاد والوصول إلى الشارع العام، لكن أحدا لم يلتفت إلى هذا الضيف الغريب في بيته!!

توكأ عليّ بينما كنت أشعر بحجم المرارة والأسى الذي يكابده شاعر مثله وجد نفسه بعد مسيرة طويلة وغنية مع الشعر والصدق مع الذات غريبا ومطرودا من مؤسسات ثقافية شارك في بنائها، على أمل أن يكون للكتاب والأدباء السوريين والعرب اتحاد يعبّر عن ضميرهم ومواقفهم وإبداعاتهم. علي الجندي السيول التي رآها تجتاح سلميه/ كرمز للوطن في قصيدته الشهيرة، كانت نبوءة واستشرافا لطوفان الموت والخراب القادم مع مغول العصر الجديد.. علي الجندي سلاما لك في صمتك الأبدي.

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر