الاحد 20 اغسطس/اب 2017، العدد: 10728

الاحد 20 اغسطس/اب 2017، العدد: 10728

11 عاما على غزو العراق

آثار الاحتلال الأميركي للعراق لم تنحصر في تحطيم دولته وتفتيت كيانها، وإنما في تكريس وإشاعة ثقافة التفتيت والاحتراب الطائفي والعرقي.

العرب د. ماجد أحمد السامرائي [نُشر في 2014/03/24، العدد: 9507، ص(8)]

قد يحاول البعض استبعاد وصف الوجه القبيح لأميركا، لأنها مركز حضارة اليوم وقلب الإبداع الإنساني في العلوم والطب والفنون والآداب، ويضعون اللوم على شعوب العالم النامي.

هذه الحقيقة تبدو صحيحة، لكن هذا الرقي والمدنية تحققا عبر مراحل إنسانية هائلة، فقد تجمع المبدعون والعلماء والأبطال ورجال الأعمال من أنحاء المعمورة على جغرافية بكر هي أرض أميركا الشمالية، التي أنجبت خلاصة العقل الإنساني الولايات المتحدة الأميركية، ولكن للأسف بدلاً من أن يتحقق على أرض الواقع العالمي حلم الحرية والديمقراطية، أصبحت أميركا وريثة للاستعمار الذي هيمن على شعوب العالم لعدة قرون، وكان لصناعة دولة اسرائيل في منطقة الشرق الأوسط خلاصة لغياب العدالة وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها التي قامت عليها المبادئ الأولى للدولة الأميركية. وأصبحت هيمنة القوة هي طريق الامبراطورية، مع أنها امتلكت سلاح العلم والمعرفة الذي أبهر العالم، وقادت مظاهر القوة الساسة الأميركان ومن خلفهم صناع القرارات الكبرى إلى حماقات في هيروشيما وفيتنام، ولحقتها حماقات جديدة خلال العقدين الأخيرين بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وتفككه، في أفغانستان والعراق الذي تحول إلى أنموذج تعرّت على جنبات رافديه لعبة الوهم الامبراطوري الذي غذّته دعوات نهاية التاريخ للمنظّر يوكوياما، وبداية التاريخ الأميركي الذي يصادر كل الحضارات الإنسانية، ويقيم حضارة متطرفة يطبخها طهاة اليمين المتطرف في واشنطن.

كما انكشفت جوانب مهمة من زيف شعارات العداء العلني بين مراكز النفوذ وخاصة بين طهران وتل أبيب، وهناك كتاب أميركون كثر كشفوا تلك العلاقة المريبة أبرزهم (تريتا بارسي في كتابه التحالف الغادر).

فالعراق ليس الدولة الوحيدة في المنطقة والعالم الذي حكمته الدكتاتورية، وكان لشعبه المعروف بكفاحه السياسي، وبوعي نخبه وحركته النهضوية أن يستبدل الحكم الفردي إلى حكم ديمقراطي تعددي يضمن الحفاظ على دولته الوطنية المدنية التي تأسست كغيرها من دول المنطقة في أوائل القرن العشرين.

لكن كان المطلوب جعل العراق قاعدة لتعميم المنهج الجديد لكونه الأكثر أهمية حسبما قال أحد قادة اليمين الجديد «وولفويتز» «العراق ساحة مثالية لإرساء المثال والنموذج الذي أراده المحافظون الجدد» من خلال إقامة نظام طائفي تسوده تقاليد الظلامية والتخلف والفساد. كان مخططو إدارة بوش يتصورون أن الهدف يستحق الكلفة الباهظة في ظل تفاهم لتقاسم نفوذ إيراني- تركي- إسرائيلي للمنطقة قبل الحضور الروسي المفاجئ. وقبيل اندلاع الغزو العسكري عام 2003 كان من الضروري تأمين متطلبات استراتيجية مهمة بين واشنطن وطهران التي سارعت لتقديم دعمها اللوجستي وطمأنت الأميركان لإنجاح احتلالهم العسكري للعراق في صفحته الأولى وصفحاته اللاحقة التي لم تنجز مثلما كان مخططاً لها، وتمت تلبية مطالب المعارضين الأكراد والشيعة بتفكيك الجيش العراقي والشرطة وأجهزة الأمن، ووضع قوانين صارمة تمنع تمتّع العرب السنة بأية إمكانية للمشاركة الحقيقية في إدارة الحكم من خلال قانوني الاجتثاث والإرهاب. ولعب المعارضون الشيعة دوراً في تجسير العلاقة وتأمينها ما بين طهران وواشنطن قبل الاحتلال وبعده.

وهذا أدى مبكرا إلى المقاومة الشعبية المسلحة في مناطق عدة من العراق خصوصاً الأنبار (الفلوجة) وأجهضت المحاولات الأولى لقيام حوار ومصالحة وطنية لأنها كانت تعني في تقدير زعامات أحزاب الإسلام الشيعي محاولة “العرب السنة” التسلل إلى الحكم مجدداً، وهو إجحاف وتوصيف طائفي مقيت.

لقد صُمّمَ ونفذ الموديل الطائفي اللبناني في حكم العراق مع إغفال الجانب الأنثروبولوجي للشعب العراقي المتمثل في حدّة مزاجه، وتداخلت عناصر عدة في تعاظم كارثة الفوضى العامة في البلاد، حيث تدفقت الأموال الهائلة بأيدي مجموعات غريبة عن ميدان الدولة المدنية وبنيتها المؤسساتية، وميليشيات طائفية مسلحة اتفقت مع الاحتلال على سحق طبقة واسعة من نخب الدولة، وعلى تقنين أكبر عملية نهب في التاريخ.

تراجعت منذ السنة الأولى للاحتلال جميع الشعارات الأميركية القائلة بإقامة أنموذج ديمقراطي في حمايته لحقوق المواطن وإشاعته السلم والمساواة. وكان مجيء أوباما لإدارة أميركا عاملاً مهماً في تراجع سياسة الهيمنة الأميركية العالمية والانشغال بالمشكلات الداخلية ومواجهة الأزمة الاقتصادية، في ظل فضائح أبوغريب وبلاك ووتر وغيرها من عمليات تغطية حملات القتل والتغييب، ثم حرب التطهير الطائفي عامي 2006 و2007، فانحدرت البلاد إلى فوضى الأمن وخراب الاقتصاد وانعدام الخدمات العامة في الصحة والكهرباء والتعليم.

وانشغل الغزاة بتأمين وجود “قطعاتهم” العسكرية وحمايتها من المقاومين المسلحين الذين وصفوا بالإرهابيين كشعار يوفر الحدود الدنيا من الحماية لمروجيه، وأحجية الدكتاتوريين لحماية كراسيهم. قدم الاحتلال جميع الفرص لتدفق مجاميع الإرهابيين من تنظيم القاعدة التي واجهت ظروفاً قاسية في أفغانسان هددت بنهايتها، وتصاعدت مجدداً شعاراتها الطائفية في ازدواجية خطيرة حيث استهدفت بالقتل أبناء العرب السنة في الأنبار وسامراء وديالى والموصل وغيرها، حيث ترفع الشعارات المعادية للشيعة.

أدى غزو العراق واحتلاله الذي استمر لثماني سنوات إلى تآكل مكانة المهابة الأميركية، بشكل أكثر قساوة من هزيمة فيتنام، وحصول تداعيات إقليمية ودولية كثيرة تعافى خلالها الدب الروسي من جراحه العميقة وتفكك جسمه نهاية الثمانينات، فعقدت واشنطن مع طهران صفقة الانسحاب العسكري الآمن من العراق مقابل تسليمها العراق، وقبول نفوذها في كل من سوريا ولبنان، وانسحاب مدبّر لتركيا من اللعب في الورقة السورية، وترتيب لانسحاب عربي من تحقيق هدف تغيير النظام في دمشق.

كان الانسحاب العسكري من العراق عام 2011 هو إعلان الهزيمة للولايات المتحدة التي لم تعد الدولة الامبراطورية الأولى، وتحولت إلى دولة من الدول العظمى في ظل نشاط روسي غير تقليدي أخذ يأكل من الجرف الأميركي، خاصة في الساحة السورية والمنطقة، فقد تحولت عقدة الذنب الأميركية تجاه شعب العراق إلى رضوخ للرغبات الروسية والإيرانية في الملف السوري. وبدلاً من مناصرة حركة الشعب السوري السلمية من أجل الحرية فتحت نار جهنم في هذا البلد، وتجمعت كل قوى الإرهاب على أرضه، خصوصاً تنظيمات القاعدة، وما أطلق عليه لاحقاً “داعش” مما يهدد استقرار المنطقة.

آثار الاحتلال الأميركي للعراق لم تنحصر في تحطيم دولته وتفتيت كيانها، وإنما في تكريس وإشاعة ثقافة التفتيت والاحتراب الطائفي والعرقي التي ستبقي البلد ولعقود طويلة أسير الأزمات والفوضى، إلا إذا حدثت معجزة على أرض هذا البلد العظيم.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر