الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

وزير الأوقاف الصيني

في حياة لؤي القصيرة الطويلة، أنهارُ فراتٍ من المتعة والسخرية، فهو صاحب المقالات التي أطلقت عليها الصحافة السورية 'الرقابة الشعبية'.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2014/03/28، العدد: 9511، ص(24)]

كان يمكن أن يأتيك هاتف ليلاً، من شخص يتحدث بلغة مجهولة، وبعربية مكسّرة، ليقول لك إنه وزير الأوقاف الصيني، وأنه يطلبك لشؤون تحسين العلاقات ما بين البلدين، وربما انطلت عليك الخدعة، كما انطلت على كثير من المسؤولين السوريين، الذين استعدوا بالفعل وتنحنحوا للحديث الرسمي مع معالي وزير الأوقاف الصيني، الذي لم يكن سوى الصديق الكاتب الدرامي والمسرحي والإذاعي والممثل والصحفي السوري الراحل لؤي عيادة.

لا تحزنني الكتابة عن لؤي، فقد كان ماكينة حياة، يصعب تصديق توقفها، تعوّد التجوّل بهمّة في شوارع دمشق، ومقاهيها ومطاعمها وصحفها، فقد كان لؤي أبرز ظرفاء دمشق الشباب، شخصاً تحرّكه أقداره، أكثر مما يقرّر لها هو السير في اتجاهات محددة، فعند ظهور أول عمل درامي له، والذي حمل اسم “الوسيط” في العام 1978 وأخرجه المخرج السوري الكبير هيثم حقي، تسارعت الأحداث وفوجئ لؤي بأن الصحافة انشغلت بالكتابة عن المسلسل ونقده، وأن مجلس الشعب السوري بدأ يناقش حلقاته وأحداثه ويصوّت على إيقاف عرضه، ليؤسس لؤي بعدها مع رفاقه بسام كوسا ورشيد عساف وعباس النوري المسرح الجامعي في دمشق.

وفي حياة لؤي القصيرة الطويلة، أنهارُ فراتٍ من المتعة والسخرية، فهو صاحب المقالات التي أطلقت عليها الصحافة السورية “الرقابة الشعبية” والتي تتحدث عن يوميات الناس البسيطة، والتي كانت أحياناً تصطدم مع الرقابة المخابراتية، حتى أن أحد الرقباء الأمنيين في صحيفة الثورة قام بتعديل كلمة في مقال قصير للؤي تسببت بمشكلة أكبر مما كانت ستفعل لو تركت كما هي، حين كتب لؤي عن سيارة مرسيدس سوداء شتم سائقها المسؤول مواطناً يعبر الطريق وقال له ” امشي بسرعة يا قرد” فقام الرقيب بتغيير الكلمة إلى ” امشي بسرعة يا غزال” ونشر المقال هكذا وتورّط لؤي، فالاسم تطابق مع أحد المشايخ الكبار المرتبطين بالنظام، وتمّت ملاحقته والتحقيق معه.

وحين قدّم مسلسله “الحيار” في نقد عادات المجتمع، كمن له بعض الشبان وأوسعوه ضرباً لينقل إلى المشفى بين الحياة والموت، وبعد أن انطلقت الانتفاضة في سوريا، كان لؤي يدّعي أنه ضدّها تماماً، فكان يخترع أحداثاً ويرويها لمؤيدي النظام وكانت تلك وسيلته في المقاومة، منها حكايته أنه حين زار دير الزور مسقط رأسه، في الشهور الأولى للعام 2011، فوجئ بأن المدينة صارت قندهار، وأن فيها ملتحين مخيفين، وأنهم طلبوا منه إعلان إسلامه، كنتُ أسمع هذا الحديث وأعرف أنه غير صحيح، وكان لؤي يغمز لي بعينه، ويهمس :”هم يحبون سماع هذا.. على الطاولة عملاء ومخبرون للأمن”. ويضيف “خلينا نسمعهن متل ما بدهن” ليتابع حديثه في وصف مشاهد درامية تجعل المخبر الذي يجلس معنا يبلع ريقه عدّة مرات، رعباً.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر