السبت 16 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10844

السبت 16 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10844

أسر تسلح أطفالها بالإرهاب

ماذا ننتظر من أنماط تنشئة مبنية على القسوة والتسلط والتفرقة بين الجنسين غير أجيال من المتعصبين الذين لا يخضعون سوى لسلطة الأنا وحب الذات وتغليب المصلحة الفردية على المصلحة العامة.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2014/04/02، العدد: 9516، ص(21)]

تعتقد أغلب الأسر في المجتمعات الإسلامية أن أعظم هدية يقدمها الآباء لأبنائهم هي تربيتهم على حفظ القرآن منذ الصغر، لأنه يقوي الذاكرة ويضمن النجاح والتفوق والتقوى عند الكبر، لكن البعض منهم يطرق الباب الخطأ، فعوض أن يسلح ابنه بالإيمان يسلحه بالإرهاب، لأنه بكل بساطة أدخله عن غير قصد إلى بؤرة دينية يشرف عليها متشدّدون.

وأغلب هذه المؤسسات التي ننظر إليها على أنها مدارس دينية ما هي في الحقيقة إلا محاضن لتفريخ الإرهاب، وهي خط الدفاع الخفي والأساسي لسماسرة الدين والمرتزقين منه.

إن العديد من هذه المدارس لا تخضع إلى أية سلطة إشراف ومرجعيتها الدينية والتعليمية ضيّقة ومنغلقة على ذاتها، وهدفها الوحيد “دمغجة” الأطفال وزرع أفكار تحث على الكراهية والفتنة والبغضاء وخلق طوائف منذ الصغر تسيء إلى المجتمعات الإسلامية بمفاهيمها المغلوطة وتعرقل نموها وتقدمها.

وبما أن مرحلة الروضة تمثل أهم المراحل التي تؤثر بشكل كبير في حياة الطفل، والتي يترتب عليها تكوين شخصيته وعلاقاته بالآخرين وتكوين اتزانه النفسي من عدمه، فإنها بذلك تعتبر الأرضية الخصبة للمتشددين لتلقين النشء تعاليم أفكارهم المتطرفة.

ففي الروضة يكتسب الطفل الخبرات الأولية وتنمو قدراته العقلية وتحدد ملامح شخصيته المستقبلية، وتعتبر هذه المرحلة الجسر القوي الذي يربط عالم الطفل المحدود في بيئته بالعالم الخارجي المترامي الأبعاد والمعارف والعلاقات الاجتماعية.

وقد أكد العالم الأميركي جون واطسون، زعيم المدرسة السلوكية في علم النفس، على خطورة هذه المرحلة التي نستطيع أثناءها أن نقوي شخصية الطفل أو نحطمها قبل أن يتجاوز سن الخامسة.

ويرى أن البيئة التي يتربى فيها الطفل هي المؤثر الرئيسي والوحيد في سلوك الفرد، فالشخصية من وجهة نظره ما هي إلا مجموعة من العادات والانعكاسات الشرطية البسيطة المتراكمة والمتشابكة معا لتصبح أكثر تعقيدا.

ويقول في هذا المجال،”أعطوني عشرة أطفال أصحاء سليمي التكوين وسأختار أيا منهم أو أحدهم عشوائيا ثم أعلمه فأصنع منه ما أريد، طبيبا أو مهندسا أو محاميا أو فنانا أو تاجرا أو مسؤولا أو لصا.. وذلك بغض النظر عن مواهبه وميولاته واتجاهاته”.

ماذا ننتظر من أنماط تنشئة مبنية على القسوة والتسلط والتفرقة بين الجنسين غير أجيال من المتعصبين الذين لا يخضعون سوى لسلطة الأنا وحب الذات وتغليب المصلحة الفردية على المصلحة العامة. إن ذروة الإرهاب وبشاعة جرائمه وصور مآسيه التي تحصل في صفوف أبناء الإسلاميين وتودي بحياة الآلاف من الأبرياء يوميا، تدفعنا إلى التفكير مليا والتقصي حول هذه البؤر قبل أن نهديها فلذات أكبادنا على أطباق من فضة، لتصنع منهم مجرمين خطيرين.

علينا أن نوحد صفوفنا ضد الإرهاب ونقتلعه من جذوره ونجفف هذه المنابع من التطرف ونسلح أطفالنا بمبادئ وقيم هم في حاجة إليها أكثر من حاجتهم إلى الطعام والشراب مثل الحب والتسامح والحوار والانفتاح على الآخر.

إن العملية التربوية الصحيحة للطفل هي التي توفر له ظروف الاستقرار النفسي، وتبعده عن المشاكل وتزوده بثقافة الاختلاف، وتعوده على تقبل الآخر واحترام رأيه، وتشبع حاجته الفطرية للحب والحنان.

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر