الاحد 23 يوليو/تموز 2017، العدد: 10700

الاحد 23 يوليو/تموز 2017، العدد: 10700

الشاعر شاهد زور

نزيه أبوعفش لم يسمع نواح الثكالى، ولم يعرف أن حمص تحولت إلى مقابر جماعية لأطفال وأمهات قتلهم السفاح ولم يزل.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2014/04/03، العدد: 9517، ص(15)]

في مرثيته الألف بعد المئة ها نحن نجلس على خراب ميتافيزيقي. يتحفنا شاعر المراثي والبكائيات نزيه أبو عفش برؤيته الكارثية الفاجعة للزمن الذي عاشه. لكن هذا الشاعر الذي يعترف أنه تشكل من مزيج صورة ماركس وصورة المسيح لم يفعل لهذا العالم الذي كان يراه يسير إلى خرابه شيئا سوى البكاء، والمزيد من المراثي التي تؤبد حزنه، دون أن يقف ولو مرة واحدة، ويسمّي صانعي الخراب الذي كان يجتاح وطنه طوال أكثر من أربعين عاما، لأن كلام مراثيه كان دائما وأبدا يسير في هامش الهامش، تاركا الطغاة والقتلة وصانعي الخراب خارج القصيدة والكلام. أبو عفش الذي أهلكنا بالحديث عن الطغاة والحرية لم يكتف بأن يصمت عن أكبر طغاة عصره الذي يجلس على قمة الخراب الذي صنعه بوطنه منتشيا بما يفعله، بل هو يذهب نحو اتهام الضحية التي تمرّدت على جلادها وصانع سجنها وناهب حياتها.

من كل ما يحدث في سوريا من فظائع وكوارث وعمليات إبادة جماعية لا يرى أبو عفش سوى جريمة العصر التي ارتكبتها داعش بقطعها للشجرة التي اتهمتها بالكفر، بوصفها جريمة العصر، متناسيا من استجلبها وفتح لها باب الخراب. جريمة السوريين هي أن صوت الحرية الذي كان يقودهم كان يزعج الطغاة ويبدد أوهام الأبد التي ناموا على ريش نعامها.

هذا الشاعر لم يسمع نواح الثكالى واستغاثات النساء اللواتي يغتصبن، والأطفال الذين تمزقت أجسادهم تحت ركام بيوتهم، ولم يعرف أن حمص التي يستذكرها، هي التي تجلس فوق الخراب وقد تحولت حدائق بيوتها إلى مقابر جماعية لأطفال وأمهات قتلهم السفاح ولم يزل!. لذلك نسأل عن أي ذكاء للروح يتحدث هذا الشاعر، وعن أي جلجلة للقلب يكتب هذا المسيح الكاذب، الذي يحاول أن يخفي وجه القاتل، ويغسل يديه من دم الضحايا، الذين حاولوا أن يوقظوا الوطن- المقبرة الذي حوّله الطغاة إليها من موته الأبدي. هكذا يتكاثر الصيارفة وشهداء الزور، ويرتدي يهوذا قناع المسيح دون أن يرف لقلب الخائن لكل هذا الدم جفن.

إنها ليست خيانة الشعر بل خيانة الشاعر، الذي يرثي العدم ويتناسى صانعي هذا العدم، بل يقود الضحايا ثانية إلى حتفهم عندما لا يكتفي بالتنكر لهم، وإنما يجعل منهم المسؤولين عن هذا الخراب الذي يجلس فوقه سيّد هذا الخراب، الذي حاولت عسسه مع أول تتويج له أن يحاكموا الشاعر نفسه، لمجرّد أنه أراد أن يبصم بنعم، ولكن من وراء الستارة التي أوهموه بأنها وضعت لأجل كرامة من عليه أن يصوّت، ولو بنعم لطاغية القصر القادم.

شاعر سوري

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر