الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

قندهارنا

من الصعب الشغل على الحرية في الشرق، فليركن الناس إذا إلى التحامق والعمل به، وادعاء عدم الحاجة إلى الحرية والتطوّر والتمدّن.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2014/04/04، العدد: 9518، ص(24)]

قرأت ملاحظة لإحدى الصحفيات التي زارت أفغانستان قبل وبعد ظهور القاعدة وطالبان روت فيها، أنها رأت الزوجات في أفغانستان يسرن خلف الرجل بخمس خطوات، وفي زيارة حديثة لاحظت الصحفية ذاتها، أن النساء في قندهار مازلن يفعلن ذلك رغم زوال نظام طالبان، وبدء عصر الحرية، فاقتربت الصحفية من نسوة وسألتهن :”لماذا تظهر عليكن السعادة الغامرة عند التمسك بالعادات القديمة التي حاربتن للتخلص منها؟ ما الذي يدفعكن إلى المشي خلف الرجل، فأجبنها دون تردّد:”الألغام يا عزيزتي”.

فكانت تلك حيلة النسوة إذا في تلافي انفجار أحد الألغام عليهن، لا عادات ولا تقاليد، ويسري هذا على كل ما نعتقد أنه من ظواهر المجتمعات المظلومة، فانتشار الفقر والبطالة، لا تعود أسبابه إلى قلة الفرص، بل هو كسل الناس، وتفضيلهم للكسب السهل على الكد والتعب، وكذلك الميل إلى المسكنة في الحياة العامة، فهو ليس من باب الرضوخ، بل لأن التذلل باب للرزق كما يرون، وكان قد ولد في الستينات في مدينة دير الزور السورية على ضفاف نهر الفرات، صبي موهوب، ولكن الله خلقه قبيحا جدا، وكان اسمه نزار، وكانت أمه سيدة ثرية كرهت أن يرى الناس قبح ابنها فيعيرونها به، فقررت حبسه سنوات في قفص على سطح المنزل كيلا يراه أحد، ولكن نزارا هذا كان شديد الذكاء، حتى أنه كان يهرب ويذهب إلى صالات السينما خلسة، وحين يعود يكون قد حفظ حوار ممثلي الفيلم الهندي بالكامل، فقرّر بنفسه أن يجد حلا لمأساته، وأخذ يتظاهر بالجنون، ويسير في الشوارع حاملا سيفا خشبيا، فعرفته المدينة كأشهر مجانينها، وكان جنونه هو خط دفاعه الأخير.

وكان في بغداد القديمة رجل من كبار الهاشمية، يقال له أبو العبر البغدادي، قال عنه المؤرخون “كان يمدح الخلفاء ويهجو الملوك، ويؤمّر على الحمقى فيشاورونه في أمورهم كأبي السواق وأبي الغول وأبي الصبارة وطبقتهم من أهل الرقاعة، حتى كسب بالحمق أضعاف ما كسبه كل شاعر في عصره بالجد”، وكان يملي دروسه على تلاميذه من قعر بئر، بينما يقعد طلابه في الشمس، وكانت له روايات هامة، مثل قوله، حدثني أبي عن جدي عن أبيه عن جدّه أن “مطر الربيع كلّه ماء”، وكان أبو العبر يسلّم نفسه للخليفة المتوكل فيدفعه ليقع في البركة ثم يخرجه منها بشبك الصيد فيقول شعرا: “ويأمرني الملك/ فيطرحني في البرك/ ويصطادني بالشبك/ كأني من السمك” وكان ذلك الحمق وسيلة دفاع أبي العبر ضد تهالك المجتمع وتهافته أيضا.

ومن الصعب الشغل على الحرية في الشرق، فليركن الناس إذا إلى التحامق والعمل به، وادعاء عدم الحاجة إلى الحرية والتطوّر والتمدّن.. وليدفعوا دائما بأحد الحمقى الحقيقيين ليمشي أمامهم خمس خطوات لعله يتعثر بلغم فيموت هو ..لا هم.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر