الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

أغاني الشعب

نحن في سوريا ممزقون طربيا، فالشرق والبادية يسمعان الغناء العراقي، بينما يغرق الجنوب السوري في عنين الربابة والمطربين الأردنيين.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2014/04/11، العدد: 9525، ص(24)]

ذات يوم قرّر صديق لي يعمل مدرسا للأطفال، امتلك صوتا جميلا وموهبة غنائية، أن ينتقل إلى مرحلة الاحتراف، وذلك بتسجيل “كاسيت” وتوزيعه، فلجأ إلى صحبه في فرقة موسيقية من المعلمين في مدينة الحسكة السورية، ولأنه لم يكن هناك أية استديوهات للتسجيل فقد توافق أعضاء الفرقة الأربعة، المغني وعازف العود مدرّس اللغة العربية، وضارب الإيقاع الأستاذ السرياني يعقوب مدرس الرياضيات، وعازف الكمان الكردي مدرس التربية البدنية، على تسجيل الأغنية ليلا في إحدى المدارس، حتى يضمن الجميع الهدوء الشبيه بعزل الصوت، وبدأ التسجيل، فلاحظ المطرب أن صوت الطبلة، مرتفع جدا، يطغى على صوته، ويشوّش على بقية الآلات الموسيقية، فطلب من الأستاذ يعقوب تخفيف ضرباته، ولكن عبثا، فيعقوب كان يتحمّس بعد دقائق من بدء الأغنية، ويعود إلى الخبط على الطبلة، مما اضطرهم إلى إخراجه إلى فناء المدرسة كي يطبّل على كرسيّه وحيدا من هناك، بينما تغني الفرقة والمطرب في أحد الصفوف، حتى يأتي الصوت أخفض قليلا، ولكن المفاجأة كانت حين سمع أعضاء الفرقة صوت طلقات نارية، فهرعوا إلى الخارج ليجدوا الأستاذ يعقوب يركض هاربا من زاوية إلى أخرى، من بندقية أحد شيوخ قبيلة “شمّر” الذي كان يطلّ بثياب النوم من نافذة بيته ويطلق النار على يعقوب، لأنه أزعج منامه في منتصف الليل بعد أن ظنّه مجنونا يطبّل وحده في فناء مدرسة خاوية.

ونحن في سوريا ممزقون طربيا، فالشرق والبادية يسمعان الغناء العراقي، بينما يغرق الجنوب السوري في عنين الربابة والمطربين الأردنيين، والغرب والساحل مولّعان بلبنان وعتاباته، أما حلب فيروق لها الغناء التركي مازجة قدودها الطربية بموسيقى قونيه الصوفية، أما السريان فما زالوا يتذكرون الفنان العظيم مار أفرام الذي عاش منذ قرون في تركيا، وعلى أنغامه وتدويناته الموسيقية بنوا تراتيلهم وأهازيج أعراسهم، والغجر في سوريا يفعلون كل ما سبق من أجل حفنة من الدولارات، وفي ظل حكم كان ولم يزل لديه أقسام مختصة بـ “محاربة النجومية” فقد كان من الصعب بروز مطربين سوريين يصعدون سلّم الشهرة إلى آخره، لذلك تراهم يترحلون هاربين نحو فضاءات أخرى كالقاهرة كما حصل مع فريد الأطرش وأسمهان، وبعدهما نجاة الصغيرة وسعاد حسني ابنتا الخطاط السوري الشهير حسني البابا الذي ما زالت بعض لوحاته معلقة في حي القنوات في دمشق القديمة.

وكان المتنبي قد قال قديما ” مغاني الشعب طيبا في المغاني…كمنزلة الربيع من الزمان ..وَلَكِنّ الفَتى العَرَبيّ فِيهَا.. غَرِيبُ الوَجْهِ وَاليَدِ وَاللّسَانِ” وكان قصد المتنبي بالمغاني غير ما نقصد بالأغاني فكان يشير إلى حدائق الشعب وهي إحدى جنان الدنيا في العراق وغوطة دمشق، فلعلّ يوما يأتي يعيد لنا أغانينا ومعها مغانينا.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر