الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

المقامة العربية

آخرون قالوا إن الديمقراطية لا تناسب الشعوب العربية، وحلف آخرون أن الحرب بين طوائف المسلمين حتمية لظهور المختار من سردابه.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2014/04/18، العدد: 9532، ص(24)]

لا شيء يعادل مقامات الهمذاني، وأحاديث عيسى بن هشام، الذي قال يوماً في مقامته البغدادية: “اشْتَهَيْتُ الأَزَاذَ، وأَنَا بِبَغْدَاذَ، وَلَيِسَ مَعْي عَقْدٌ عَلى نَقْدٍ، فَخَرْجْتُ أَنْتَهِزُ مَحَالَّهُ حَتَّى أَحَلَّنِي الكَرْخَ، فَإِذَا أَنَا بِسَوادِيٍّ يَسُوقُ بِالجَهْدِ حِمِارَهُ، وَيَطَرِّفُ بِالعَقْدِ إِزَارَهُ، فَقُلْتُ: ظَفِرْنَا وَاللهِ بِصَيْدٍ، وَحَيَّاكَ اللهُ أَبَا زَيْدٍ، مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ؟ وَأَيْنَ نَزَلْتَ؟ وَمَتَى وَافَيْتَ؟ وَهَلُمَّ إِلَى البَيْتِ، فَقَالَ السَّوادِيُّ: لَسْتُ بِأَبِي زَيْدٍ، وَلَكِنِّي أَبْو عُبَيْدٍ، فَقُلْتُ: نَعَمْ، لَعَنَ اللهُ الشَّيطَانَ، وَأَبْعَدَ النِّسْيانَ، أَنْسَانِيكَ طُولُ العَهْدِ، وَاتْصَالُ البُعْدِ، فَكَيْفَ حَالُ أَبِيكَ؟ أَشَابٌ كَعَهْدي، أَمْ شَابَ بَعْدِي؟ فَقَالَ: قدْ نَبَتَ الرَّبِيعُ عَلَى دِمْنَتِهِ، وَأَرْجُو أَنْ يُصَيِّرَهُ اللهُ إِلَى جَنَّتِهِ، فَقُلْتُ: إِنَّا للهِ وإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَلاَ حَوْلَ ولاَ قُوةَ إِلاَّ بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيم، وَمَدَدْتُ يَدَ البِدَارِ، إِلي الصِدَارِ، أُرِيدُ تَمْزِيقَهُ، فَقَبَضَ السَّوادِيُّ عَلى خَصْرِي بِجِمُعْهِ، وَقَالَ: نَشَدْتُكَ اللهَ لا مَزَّقْتَهُ، فَقُلْتُ: هَلُمَّ إِلى البَيْتِ نُصِبْ غَدَاءً، أَوْ إِلَى السُّوقِ نَشْتَرِ شِواءً، وَالسُّوقُ أَقْرَبُ” حتى ينتهي ابن هشام إلى أنه أوقع بالسوادي وأكل الغداء والحلوى ثم فرّ هاربا وكمن في زاوية يراه فيها، حتى أجبر بائع اللحم الرجل المخدوع على دفع ثمن الغداء.

وقد كانت هذه سمة الشطّار في أزمنة مضت، بعد أن ازدهرت فيها حضارة العرب في بغداد ثم خبت، حتى إذا ما انحدرت ثانية هذه الأيام ظهر الشطّار مع انحطاطها من جديد، في فنون السياسة والآداب والحياة العامة، فخرج من بين الناس من حصل على درجة الماجستير عن أطروحة بعنوان “ضرورة الفساد” معللا ذلك بأن الفساد لازمٌ ليظهر القائد الكاريزمي الذي سوف يحاربه، وظهر باحثون تاريخيون أثبتوا أن قريشا كانت قبيلة كردية، وآخرون قالوا إن الديمقراطية لا تناسب الشعوب العربية، وحلف آخرون أن الحرب بين طوائف المسلمين حتمية لظهور المختار من سردابه، وهكذا، ليصبح التشاطر آلة الكسب كما قال عيسى بن هشام، فاندفع الناس بالفهلوة على بعضهم البعض، وإلا كيف نصدّق أن ملايين البشر عاشوا بالفتات؟ ولا يمكن به العيش ولا الموات، فحتى القبور كانت قد أصبحت غالية الثمن، ومقابر الفقراء صادرها الأثرياء ليقيموا عليها مشاريعهم الاستثمارية، وعلى سيرة القبور، فقد عرفتُ في دمشق في سنين مضت جارا في الغابرين، اشتهر بقدراته العجيبة، فكان يعمل “مطلّعاً” للأفاعي، يجلبه الناس إلى بيوتهم الريفية، ليتحدث مع الأفاعي ويقنعها بالخروج من جدران تلك البيوت، وقد سألته مرةً، هل ما تفعله صحيح أم أنه نوع من التشاطر؟، فقال: “والله لا أقول للحية إلا باسم العهد الذي بينك وبين سليمان سيس سيس سيري، فتمضي على مهل خارج البيت”، أما مهنة أبي ماهر الأخرى، فقد كانت غير محببة عندي، وكنت أهرب من سلامه وتحياته وملامسته كفي وكتفي عند الترحيب والطبطبة، فهو يخلط بين حياته العامة وعمله الإضافي كمقرئ في المآتم ومغسّل للموتى، أما حديث شطّار اليوم فلا نحتاج إلى أن يرويه لنا عيسى بن هشام.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر