الاثنين 1 مايو/ايار 2017، العدد: 10619

الاثنين 1 مايو/ايار 2017، العدد: 10619

حلم كردي في عراق مضطرب

يجد الأكراد اليوم فرصتهم التاريخية التي لن تتكرر في تحقيق حلم الدولة الكردية، في ظل عراق ضعيف مفكك طائفيا وعرقيا، وفي ظل غياب للدولة المركزية.

العرب د. ماجد أحمد السامرائي [نُشر في 2014/04/21، العدد: 9535، ص(9)]

وسط ضجيج السباق نحو الكرسي في عراق اليوم، حيث النبرات العالية لأحلام تمتزج فيها شعارات النزعات الطائفية والعرقية بغايات المغانم، ينسحب الحاضر ذليلا مهزوما على إيقاعات فشل السياسيين وأنصافهم في مسـرح يبعـث على الـرثاء لحـال العراق الذي يعيش أعلى مستويات التقهقر والظلامية، يرتفع صوت من أعالي الجبل يعلن عن قرب ولادة دولة كردستان على لسـان زعيم أكراد العراق مسعود البرزاني.

وهو إعلان تكرر خلال الأشهر القليلة الماضية على هامش أزمة الإقليم مع المركز حول مردودات المكاسب والاعتراف بها استنادا إلى دستور فُصّل بمقاسات تحقق مكاسب فئوية، طائفية وعرقية على حساب الوطن والمواطن.

أحاديث اليوم “البرزانية” تبدو أكثر قربا من السياسة عنها من العاطفة الشعبية التي يديرها أي قائد وسط جمهوره في ظروف تعبوية خاصة، ومسعود البرزاني يحرص على تمثيل والده القائد القومي للأكراد، في تحقيق حلم الدولة الكردستانية وعاصمتها أربيل. ولديه شعور بأنها أصبحت اليوم قريبة بل حاضرة، ويحرص على تقديم البراهين المبدئية والحقوقية على هذا المطلب التاريخي.

قسم من المفسرين السياسيين يعلقون بـأن هذه النبـرة العاليـة للبرزانـي هـي واحـدة من بالونات الانتخابات التي ترتفع هذه الأيام من المنابر الحزبية المنتشرة في مدن العراق وكردسـتان من ضمنهـا، والقسـم الآخر يرى فيها خطوة جدية مقبلة تستند على معطيات جيوسياسية للواقع العراقي ومحيطه الإقليمي والدولي، في ظل أضعف حالة يعيشها العراق منذ الاحتلال المغولي لبغداد، وإن مسعود البرزاني مدرك لهذا الظرف، ولهذا يؤكد بلغة واضحة “لا أحد يستطيع أن يمنعنا من إعلان الاستقلال”.

وإذا سلمنـا بفرضيـة أن هذه التصـريحـات هي جـزء من الماكنة الانتخابيـة، وجاءت كاصطفاف تعبوي مع خصوم المالكي، ومن بينهم حلفاؤه الشيعة، فإن التهديد بالاستقلال لن يكون غرضه ابتزاز المالكي الآن، لأن دورة حكمـه قـد انتهـت، لكنهـا رسالة ضمنية لأي حاكم مقبل في بغداد، تقول: “عليك أن تجعل في مقدمة أجنداتك السياسية التسليم بهذه الحقيقة، نفذ ما نريده، وإلا فإن الانفصال عن العراق آتٍ”.

لا شك أن هناك معطيات تاريخية وسياسية إقليمية وداخلية كثيرة دفعت القائد الكردي لمثل هذه النبرة شديدة الوضوح. فمسعود خليفة أبيه مصطفي البرزاني الذي عاش ومات وسط الخذلان وخديعة الكبـار الأوائـل مطلـع القـرن الماضـي.

ويجد الأكراد اليوم فرصتهم التاريخية التي لن تتكرر في تحقيق حلم الدولة الكردية، في ظل عراق ضعيف مفكك طائفيا وعرقيا، وفي ظل غياب للدولة المركزية، وغرق للنظام السياسي في صراعات داخلية وانفلات أمني وفساد يسرق المواطن ويحرمه من أبسط مقومات الحياة، ويعيده إلى عصور الجهالة والتخلف والظلامية، أمام معادلة أخرى للمدنية والتنمية المتطورة في الجزء الكردي من العراق الذي يقدم من خزينته المركزية لهذا الجزء نسبة 17 بالمئة من وارداته للإقليم، تُحوّل إلى خدمات تنموية.

تعتقد القيادة الكردية أنها قادرة في هذا الظرف المعقد من حياة العـراق، على الحصول على مكاسب منتظرة من تحولات تكسر المعادلة الاستراتيجية القديمة في تقسيمات “سايكس بيكو” التي ظلموا فيها- حسب اعتقادهم- ولم يمنحوا دولة “كردستان”.

علما بأن تلك التقسيمـات لم تتشكل لمنح الأقليات والطوائـف في المنطقـة دولا وكيانـات وفق حق تقرير المصير، فالعرب كانوا دولة وأمة واحدة، تم تقسيمها على أعقاب انهيار الامبراطورية العثمانيـة، كمـا تم استثناء الفلسطينيين من حقهم الطبيعي في دولة عربية مستقلة، بل طردوهم من أرضهم التاريخية لصالح اليهود وفق استحضارات لاهوتية تعتبرهم “شعب الله المختار”، وتمت صناعة الكيان الإسرائيلي وفق ذلك.

كان الأكراد يعتقدون أنهم سيمنحون دولتهـم على إيقاع توقيت واحد مع صناعـة إسرائـيل في المنطقـة، لكـن الـدول الكبرى قــد خذلتهم حسب اعتقادهم، مع أن هذه الدول كان يكفيها استفزاز العرب ولا يضيفون استفزازا آخر لمكامن التاريخ في كـل من تركيـا إيران. لم يكن الأوروبيون مقتنعون بصناعـة دولة قومية أو طائفيـة فـي النصف الثاني من القرن العشرين مثلما هـم اليوم بسبب النفوذ الاستراتيجي الأميركي.

يعتقد أكراد العراق أنهم قريبون من تحقيق حلم الدولة، مع أن ما حصلوا عليه في المراحل الأولى من حكم حزب البعث كان متميزا، حيث أعطاهم نظام صدام حسين أول حكم ذاتي في التاريخ عام 1971، وما زالوا يحتفلون بعيده سنويا، في مفارقة عجيبة، فالذي أعطاهم هذا الحـق ضربهم بالكيميـائي بعد خمسة عشر عاما، وفي المراحل اللاحقة حصلوا على شبه الاستقلال في ظل انسحاب الدولة من منطقة كردستان بعد الضربة الأميركية عام 1991، ثم في ظل غيابها وضعف نظامها وتفككه بعد عام 2003.

ولهذا فإن وجود دولة مركزية قوية في بغداد يقلقهـم، وهذا هـو التناقـض الرئيسي الحاصل اليـوم، فخلافهـم الجوهري مع نوري المالكي ليـس لأنـه لم ينفـذ قانـون النفـط والغـاز رغم أهميته، أو بسبب موضوع عابر كتوقيـع الميزانية، فهذه من أوراق اللعب السياسي اليومـي، وإنمـا لكونـه أخذ يتعاطى مع الأكـراد بمنطق مختلف عن كونه حليفـا سياسيـا إلى مسـؤول لحكومة مركزية وهذا حصل مع إبراهيم الجعفري قبله، لأن المشكلات تـوسعت إلى أكثر من قضية تلت أزمة كركوك- «قدس الأقداس» في نظر القيـادة الكردية- إلى قضايا “المناطق المتنازع عليهـا” على مساحات كبيرة من أرض العراق تهدد بتشظيته إلى قومـيات وأثنيـات متناقضة متنازعـة، وتوافـق تـوقيت هذه الخلافات مع مشاكل الحكومة الأخرى في عموم العراق.

الخلاف الكردي مع مركز الدولة في العراق سوف يستمر مع أي حاكم مقبل، فيما إذا تصرف بطريقة عدم التفريط بمصالح الوطن العليا، مع المحافظة على الالتزام بالمسؤوليات الدستورية التي تعطي للأكراد ما عليهم من واجبات وما لهم من حقوق في البلد.

وما أثار حماستهم المواقف الأميركية الراعية لهم في فترة ما قبل غزو 2003 ضد نظام صدام حسين وبعده حين استخدموا كقاعدة لوجستية متقدمة في غزو العراق وبناء نظامه الطائفي، وتعتقد القيادة الكردية أن ورقتها ما زالت لاعبة في ظل التوجهات الأميركية لقيام مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي تعطل بسبب فشل مشروع الاحتلال في العراق تحت إدارة أوباما.

مع أن هذا الاعتقاد تنقصه مستندات الوقائع الاستراتيجية والسياسية الجديدة للاهتمامات الأميركية خصوصا في مناطق خارج العراق والمنطقة، وأساسا في شرق آسيا، في ضوء الحجم الاقتصادي الخطير المتنامي للصين.

لكن هناك من يدغدغ مشاعرهم بين الحين والآخر ويؤملهم بأن المنطقة مقبلة على سيناريو جديد لتقسيم المنطقة طائفيا وعرقيا على ضوء معطيات النفوذ التي أفرزها احتلال العراق، وفي مقدمتها نمو القوة الإيرانية وتغلغلها في كل من العراق وسوريا ولبنان، إلى جانب صحوة الدب الروسي، ويقظته الجديدة في استعادة أمجاد الدولة السوفيتية.

مع أن هذا السيناريو لا يتوقع له أن يلعب بمصير الأكراد في كل من إيران وتركيا لصالح دولة البرزاني الكردستانية المقبلة، لكن احتمالات تدهور الأوضاع في سوريا سيجعل أكرادها داعمين أقوياء لتحقيق حلم دولة كردستان وهناك مؤشرات ميدانية عديدة على ذلك.

ومع أن للأكراد الحق في تقرير مصيرهم وصولا إلى الانفصال، ولا توجد قوة تجبرهم على الانصهار في الدولة العراقية، إلا أن مشكلة السياسيين العراقيين كونهم لا يتصرفون “كعرب العراق” ويتجاوزون مناشئهم الاجتماعية الطائفية، ويتحاورون مع الكرد على هذه الأسس التي تجعل منهم قوة سياسية تبني بلدهم كباقي بلدان العرب، سواء بقي الأكراد داخل هذا البلد أم أصبحوا جيرانا له.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر