السبت 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10816

السبت 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10816

أرى سلمى..

حين يسأل سائل لماذا جفَت ملايين الناس النخبة العربية، وتركوها وفقدوا الأمل منها، لابد وأن يجد السبب في مزاج المتلقي العربي.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2014/04/25، العدد: 9539، ص(24)]

لم يكن العرب وحدهم أهل القسوة والجفاف والجلافة في التعامل مع الآخرين عبر التاريخ، فقد شاركتهم أمم أخرى تلك الميزة، ولكنها لم تتفوق عليهم، فحين نشر الفيلسوف الألماني شوبنهور كتابه “العالم كإرادة وفكرة” كان سابقا لوعي عصره، فلم يتم استيعابه كما ينبغي، فسمع الفيلسوف الحكيم أحد القراء يبالغ في الانتقاص من الكتاب أمامه، فقال له شوبنهور: “إن هذه الكتب مثلها مثل المرآة، إذا نظر فيها حمار فلا يتوقع أن يرى وجه ملاك”.

وحين يسأل سائل لماذا جفَت ملايين الناس النخبة العربية، وتركوها وفقدوا الأمل منها، لابد وأن يجد السبب في مزاج المتلقي العربي، الذي يعطي الفرصة قصيرة جدا، كي تقنعه بما لديك، فإما أن تسحره أو يشيح بوجهه عنك، ولكن قليلا ما ينظر إلى دور النخبة في خلق الهاوية والوديان بينها وبين الناس، فقد رغبت النخبة العربية أن تأتي بالتغيير من فوق، وتفرضه فرضا على الذائقة والفنون والفكر، فرفض الناس ذلك، وما زالوا يعتبرون حداثة النخب رافدا من روافد الاستبداد الذي أراد تحقيق أهدافه السياسية بانقلابات عسكرية تأتي بالإصلاح من فوق وليس من القاعدة، من تغيير الناس بالجهد والتعب والمكابدة.

فلم يتم التعامل مع ذلك النزق العربي من البداية إلا بالاستخفاف والتكبّر، فصارت سير حاجات الناس إلى التنوير مصادر للتندّر على الخلق، وقال الأصمعي :” كنت في البادية فإذا بأعرابي تقدم للصلاة فقال الله أكبر سبح اسم ربك الأعلى، الذي أخرج المرعى، أخرج منه تيسا أحوى، ينزو على المعزى، ثم قام في الثانية فقال وثب الذئب على الشاة الوسطى، وسوف يأخذها تارة أخرى، أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى؟ ألا بلى ألا بلى، فلما فرغ قال اللهم لك عفرت جبيني وإليك مددت يميني فانظر ماذا تعطيني”. وكان سهلا على الأصمعي أن يكتفي بتعليم الأعرابي بدلا عن فضحه والتشهير به.

كان ذلك الجفاف أسلوبا وآلية استقبال للجديد، تمنح صاحبها الفرصة كي يتسق مع ذلك الجديد أو ينفر منه، وعرف أهل المدن في جزيرة العرب أن غالبية قومهم ممن يتصفون بالجلافة، فكان صبرهم عليهم قليلا قصيرا، وكانوا يضيقون بهم، ويعصفون غضبا ويضربون عليهم بيد من حديد، ما أسس لمدرسة في الحكم قائمة على الضبط والسيطرة على مزاج صعب، نظرية ترى الناس على أنهم في حال من حالين، إما فوق الحاكم أو تحته، فانتقلت تلك النظرية من السياسة إلى الفنون والآداب، فيستغرب الشاعر لماذا جفته حبيبته؟ وهو سبب ابتعادها، كما في أغنية ” سليمى” حين يقول الشاعر “أرى سلمى بلا ذنب جفتني …وكانت قبل من بعضي ومني…كأني ما لثمت لها شفاها ..كأني ما وصلت ولم تصلني.. كأن الليل لم يرض ويروي ..أحاديث الهوى عنها وعني” تلك القصيدة الرائعة التي غنتها المطربة السورية الحلبية الراحلة زكية حمدان، وكانت من نظم الشاعر نوفل إلياس الذي ولد في بانياس في الساحل السوري وشغل منصب قنصل سوريا في الأرجنتين، ولحنها الملحّن وعازف الكمان خالد أبو النصر اليافي في بدايات الخمسينات.. أدعوكم إلى سماع “سليمى” لفهم حال النخبة العربية اليوم.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر