الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

مجامع لغوية أم متاحف

الدور الهام للمجامع اللغوية لا ينحصر في الحدّ من غزو اللغات الأجنبية للغتنا العربية، بل يسهم في جعل اللغة العربية ابنة الحياة القابلة للتجدد.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2014/04/26، العدد: 9540، ص(17)]

لعبت المجامع اللغوية العربية في مرحلة الاحتلال الأجنبي، لاسيما في كلّ من القاهرة ودمشق وبغداد، بوصفها تعدّ من بين أقدم المجامع اللغوية العربية، دورا هاما في الحفاظ على اللغة العربية وتطورها، كي تكون قادرة على مواكبة التطور العلمي والتقني والثقافي المتلاحق في هذا العصر، عبر استحداث مفاهيم لغوية عربية مقابلة للمفاهيم والمصطلحات الغربية.

تلك المهمة التي كان لابد منها، لكي لا تصبح اللغة غريبة عن العصر، وبالتالي تحمل بذور اندثارها بوصفها لغة ميتة، كانت تحتاج إلى عقول لغوية منفتحة وخلاّقة، وعلى معرفة عميقة باللغات الأجنبية التي ولدت فيها تلك المفاهيم والمصلحات، وبعلوم اللغة وقواعد الاشتقاق وكيفية صياغة المصطلح العربي الدقيق المقابل.

وفيما كان يؤمل من هذه المجامع اللغوية أن تحافظ على دورها الريادي في هذا المجال، فإنّها حصرت دورها وعلاقاتها في المجال الأكاديمي، دون أن يظهر تأثيرها في مجالات الحياة المختلفة، نظرا للعزلة التي وضعت نفسها فيها، بصورة حالت دون أن تتمكن من نقل تأثيرها من المجال الأكاديمي إلى مجال التداول الشعبي لكي تكون دائرة تأثيرها أوسع بكثير مما هي عليه، ويكون الجميع على معرفة بمنجزاتها، لاسيما المؤسسات الثقافية والإعلامية، الّتي يبدو أنّها تغرّد بعيدا عن هذه المجامع.

وإذا كان مجمع اللغة العربية بدمشق قد انفرد بمهمات إضافية بحكم السياسة التعليمية القائمة على تدريس المواد العلمية والطبية والهندسية باللّغة العربية، فإنّ تلك المجامع ما تزال تعاني من غياب استراتيجيات العمل المشترك، وحتى من غياب تبادل الخبرات والتنسيق فيما بينها، ما جعلها تعمل بصورة منفردة، وأدّى إلى شيوع مصطلحات ومفاهيم متباينة نتيجة تباين الآراء اللغوية بين علماء اللّغة أنفسهم في كل مجمع من هذه المجامع.

اللغة الحية هي اللغة التي تواكب تحولات الحياة التي يشهدها العصر، فليس كافيا أن يقوم أي مجمع باشتقاق وتوليد المفاهيم والمصلحات العربية الجديدة لمواكبة التطور العلمي والحضاري في العالم لتوضع على الرف أوللاستخدام الخاص بعد ذلك، بل لابد من أن تصل تلك المفاهيم الجديدة إلى الناس، لكي تصبح جزءا من ملفوظهم واستخدامهم الحياتي، بدلا عن المصطلحات الأجنبية الوافدة، التي باتت كثرة استخدام مصطلحاتها تشكل تهديدا للغتنا، وذلك بسبب غياب المصطلح البديل العملي والميسر عند الناس.

هذا الدور الهام للمجامع اللغوية لا ينحصر في الحدّ من غزو اللغات الأجنبية للغتنا العربية، بل يسهم في جعل اللغة العربية ابنة الحياة القابلة للتجدد.

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر