الاثنين 27 مارس/اذار 2017، العدد: 10584

الاثنين 27 مارس/اذار 2017، العدد: 10584

انتخابات العراق ومعركة المركب الواحد

في العراق لعبة الطائفية والمذهبية والعنصرية كبيرة، وتحتاج إلى وقت ليس بالقليل لتبديل معادلة الحكم والسلطة، بعد تبديل الدستور وقوانين الأحزاب والانتخابات.

العرب د. ماجد أحمد السامرائي [نُشر في 2014/04/28، العدد: 9542، ص(9)]

ساعات تفصلنا عن خمود لهيب النار التي اشتعلت طوال شهر كامل على الأرصفة والحدائق وواجهات المباني المرصعة بشظايا المفخخات والملطخة بالشعارات الوهمية، وعلى وقع الانفجارات التي أصبحت لا تثير الفزع بين الناس الذين تعودوها، فما يهمهم من هو القتيل أو الجريح، في بلد كان يسمى عربيا وأصبح له أي اسم آخر يمكن أن يوصف به إلا البلد العربي، في أبشع جريمة شهدها العالم في التفتيت قام بها الاحتلال وسانده من يمثلون أركان العملية السياسية اليوم، والذين يتنافسون في مهرجان يثير الشفقة على الفاشلين الذين لم تتمكن الديمقراطية المحفوظة في الدفاتر من ردعهم.

مهرجان السباق الانتخابي في العراق احتوت لافتاته ودعاياته التلفزيونية، للأسف، على مظاهر مهينة لهذا الشعب العظيم الذي كانت له أعرق حركة وطنية في المنطقة، فالمتسابق يعد الناخب بأنواع “الدجاج والبهارات” كما يظهر على اللافتة “مرشح عن زوجته العظيمة”، وتصل عمليات التسقيط السياسي والإعلامي إلى درجة مذهلة بين عائلة العملية السياسية الواحدة حيث تتهم مجموعة أخرى بالفشل مع إنها إلى حد هذه اللحظة الفاصلة شريكة في الوزارات والمؤسسات ذات الصلة بالمواطن.

لقد ظهرت قصص لو انتظر المتابع زمنا طويلا لما شاهدها أو سمعها، لكن الجماعات المتنافسة تكشف دائما أسرار بعضها حين تختلف على المغانم. لو تصفحنا أوراق المتسابقين في الملعب لوجدناهم هم أنفسهم الذين كانوا عنوان الفشل والفساد والانهيار الأمني منذ تأسيس العملية السياسية بإدارة الاحتلال عام 2003 وإلى حد اليوم، ما عدا استثناءات معدودة. لم يتجرأ أحدهم على التنصل من المسؤولية رغم الكوارث التي اقترفها في حق المواطن العراقي، ولم يتمكن المسؤول الحكومي الأول من إقالة وزير أو مدير عام فاشل لأنه ينتمي الى ركن مّعطل من أركان الشراكة، مثلما تفعل إدارات الحكومات الديمقراطية في العالم أو الحكومات التي تحترم إنسانها، فمن يخطئ أو يقترف ذنبا يؤدي إلى فقدان حقوق أو تغييب عدالة أو سيادة ظلم يعاقب عقوبات صارمة، أما من يؤدي أو يسبب أو يكون خلف جرائم قتل مواطنين فمصيره لا يتوقف عند التنحي وإنما إلى الملاحقة القانونية الصارمة.

في العراق وطيلة ثماني سنوات (2003- 2011) كان المتسيد لحكم العراقيين قيادة الاحتلال حتى وإن شُكلّت حكومات عراقية وفق صناديق اقتراع هزيلة قاطعها في الدورة قرابة نصف العراقيين، وفي الدورة الثانية كان التزوير سيد الموقف. ذهب المواطن في رحلة استكشاف مثله مثل ذلك الريفي الذي نصبوا في حقله قاعة سينما رصفوا داخلها الكراسي، ودعي لمشاهدة فيلم لأول مرة في حياته، فوجد أن قصة الفيلم تبدأ وتنتهي بلعبة لعن الماضي دون تقديم البديل.

منذ عام 2003 ذهب ضحايا كثر تحت جنازير الدبابات الأميركية التي دنّست أرض العراق بمهرجان من هذه الزعامات السياسية ومن تبعها ووالاها، وأهينت كرامات الناس وسحقت خلاصة مدنيتهم من العقول والكفاءات النادرة التي صنعت دولة بمعاييرها المعروفة، حتى وإن حكمت من قبل دكتاتوريين فرديين، وفتحت بوابات الحقد والثأر والكراهية على مصاريعها، وكوفئ من يتفنن في التعبير عن أمثلة التقسيم الاجتماعي الديني والمذهبي، وفي استحضار الزوايا المدمية من قصصها الأسطورية لإشعال نار الكراهية والفتن بين الناس، بدلا من إشاعة قيم المحبة والسلم الأهلي.

أرادوا بناء جدران العزل ما بين الحاضر وبين الموروث الوطني العراقي، ونجحوا في ذلك لكي يقتلوا فيهم قيم العزة والكرامة، ويحولونهم إلى يائسين أذلاء يكره بعضهم بعضا، واليأس هو أخطر أمراض الشعوب والأمم. لم يقبلوا وصف المحتل المعترف بوصفه الحقيقي ومنعوا على الناس ذلك لكي لا تنتزع كراسيهم الذليلة، وصنع لهم الاحتلال دستورا باطلا في نظر المعاهدات الدولية لكونه تحت حكمه. أصبح العراقي مكرها على سؤال أخيه العراقي (هل أنت شيعي أم سيني؟) وتحولت الوزارات العراقية إلى مراكز للولاءات الحزبية والطائفية، ومن لم يزكّه مسؤول من هذا الحزب الطائفي أو ذاك أو زعيم هذه الميليشيا أو تلك لا ضمانة له في التعيين أو قضاء حاجته، وهذه الحالة أو قانون “التزكية” يشترك فيها الجميع وليس حزب رئيس الوزراء الحالي فقط.

هذا هو الهدم الذي أطاح بالأعمدة الرئيسية لبنيان العراق، في مختلف الميادين، وضع العراقيون تحت كابوس كبير من اليأس والإحباط ليسهل عليهم تمرير زعاماتهم دون معارضة شامخة قوية. لقد كان هتلر يمرر أخطر قراراته في ساعات الإعياء للناس وفق فلسفة غوبلز في الاتصال الشعبوي. ولهذا لم تعد المليارات من الدولارات التي تدخل خزائن العراق ذات قيمة، لأن محركاتها ومفاتيح خزاناتها لم تعد تدخل شرايين الجسم العراقي، وإنما لماكنة النهب والفساد، ولهذا لا تفاجئك بعض التصريحات التي تتحدث عن إفلاس الحكومة قريبا، وكارتل العملية السياسة بكامله مسؤول عن ذلك، ولهذا فإن مظاهر التسقيط والتنافس بين فرسان الشوط الحالي، هي عبارة عن محاولة تمرير وَهَم في نفس المواطن العراقي، بأن هذا الفريق من داخل العملية السياسية هو فاشل ومسؤول عن كل ما حدث، والآخرون أبرياء من مسؤولية الفشل أمام المواطن، وهذه اللعبة يتوقعون تمريرها، لأن المواطن العراقي ما زال تحت تأثير مفاعيل الإحباط واليأس.

عادة ومن خلال تجارب شعوب العالم الديمقراطي تحصل اختراقات مميزة في مواجهة الإدمان على الفشل، في بعض دول أميركا اللاتينية وبعد شوط من هيمنة بعض الأحزاب الديمقراطية لسنوات ظهرت شخصيات سياسية من بين هموم الناس اختطفت راية الصوت الانتخابي بشكل مثير، وقد عشتُ شخصيا التجربة في فنزويلا- حيث عملت سفيرا هناك وفي عدة دول من أميركا اللاتينية لسبع سنوات- فاستطاع الشاب هوغو تشافيز دخول المنافسة بعد خروجه من السجن إثر محاولته الانقلابية، واكتسح الشارع الفنزويلي تحت راية حركة البوليفاريين الأحرار. ونفس الشيء حصل في البيرو حيث ظهر من بين الصفوف رجل يدعى “فوجي موري” ليس لديه حزب، وشكل حركة انتخابية وفاز بالانتخابات كاسرا حاجز التقليد الحزبي. في العراق لعبة الطائفية والمذهبية والعنصرية كبيرة، وتحتاج إلى وقت ليس بالقليل لتبديل معادلة الحكم والسلطة، بعد تبديل الدستور وقوانين الأحزاب والانتخابات وغيرها.

الخصومة التي نشاهد الآن آخر فصولها، وهم سوّقته جميع أطراف المركب الواحد على المواطن المحبط، فلو كانت تلك الأطراف مؤمنة بالشعارات الحالية لاختار الخاسر منها صناعة معارضة قوّية داخل البرلمان قادرة على إسقاط أية حكومة مهما تجبّرت، لكن ذلك لم يحدث عامي 2005 و2010 ولن يحدث عام 2014، لأن الجميع مغرم بالمغانم، والشعب العراقي نصيبه الصبر.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر