الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

القرضاوي: بئس التحول وبؤس الخاتمة

بعد خلع محمد مرسي، أطلق القرضاوي دعوة لم يجرؤ على إطلاق مثلها لتحرير فلسطين أو إنقاذ غزة، دعا مسلمي العالم في كل مكان ليكونوا شهداء في مصر.

العرب سعد القرش [نُشر في 2014/05/01، العدد: 9545، ص(9)]

في سنوات اليقين طرحت على الشيخ محمد الغزالي مسألة فقهية، فقال لي: “اسأل الدكتور القرضاوي. أنا مشغول بالفكر، وهو بالفقه”.

كنت طالبا في جامعة القاهرة، أشارك الآلاف لهفتهم على حضور الشيخ يوسف القرضاوي إلى الجامعة، أو نقابة الأطباء “بيت الحكمة”، ويتعالى هتافنا “الله أكبر ولله الحمد”، بدلا من تصفيق وصفير العلمانيين الكفرة في ندوات يدعى إليها أمثالهم من العلمانيين الكفرة. نهتف من قلوبنا، بالتكبير والحمد، حتى ولو قال الشيخ الدكتور قولا ليس لينا.

أحفظ من كلام الشيخ القرضاوي قوله عن نصر أكتوبر 1973: “انتصرنا على اليهود في حرب رمضان حين قلنا: الله أكبر. وقد هزمونا في 1967 لأن شعارنا كان: وسيفنا يتحدى القدر”.

“لم أكن أملك، مثل آلاف من مريدي الشيخ، فضيلة التفكير النقدي وإعادة النظر في مقولاته، ولا تذكرت آنذاك أن المسلمين هزموا في معركة أحد وبينهم رسول الله، ولم يكن شعارهم “وسيفنا يتحدى القدر”، ولكنهم غفلوا عن أهم شروط المعركة.

صدقتُ الشيخ لأنني كنت أحبه، منذ قرأت في الصبا كتابه “ظاهرة الغلو في التكفير”، لم يكن كتابا بل كتيبا في صيغة رسالة، من منشورات “صوت الحق”، 12 قرشا، وهو العمل الذي نما، معي ومع الشيخ، وصدر في سلسلة “كتاب الأمة” من الدوحة وأنا في الصف الأول الثانوي، مزيدا بعنوان “الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف”. كان قول الشيخ آنذاك سمحا لينا، في سياق مشحون وملغوم يزدحم بشيوخ استأسدوا على قلة حيلتنا وحداثة أعمارنا، وتفننوا في أساليب التحريم، حتى يسهل على أحدنا أن يتهم نفسه بتحمل بعض المسؤولية عن سقوط الخلافة، وهوان المسلمين على الناس. وبدورنا سارعنا إلى منافسة هؤلاء بالمبالغة في رفض الوسطية، وقطع الطرق المؤدية إلى الحلال، والتنافس في التضييق على النفس بتحريم الحلال، والاستعلاء على المباح، حتى إننا كنا نتندر على كتاب الشيخ “الحلال والحرام في الإسلام”، ونقول إن عنوانه الأكثر دقة هو “الحلال والحلال في الإسلام”. وسمعت بكتاب لرجل من الحجاز ينتقده، فسارعت للبحث عنه، واشتريت من مكتبة في شارع العباسي بالمحلة الكبرى كتاب “الإعلام ببيان أخطاء الشيخ القرضاوي في كتاب الحلال والحرام” تأليف صالح بن فوزان بن عبدالله آل فوزان.

كنا نفرغ من “وسطية” القرضاوي، فنبحث عن فتاوى ابن تيمية، ورأي ابن القيم في الموسيقى والغناء، وتفسير أبي الأعلى المودودي لسورة “النور”، وكل ما يجعل الحياة عسيرة لا تستحق إلا الاحتقار. نبالغ في جلد الذات، مع إبقاء الباب مغلقا على تفاصيل الفتنة الكبرى، ونتغاضى عن أمر معاوية خطباء الجمعة أن ينهوا خطبتهم بسب الإمام علي وآل بيته، وقتل كثيرين ممن رفضوا أن يتبرأوا من علي.

غرسوا في نفوسنا أن الجدل مكروه، لكي لا نسأل لماذا ترك الصحابة جثمان الرسول، واختلفوا في أمور الدنيا، رغم صك مقولة “إكرام الميت دفنه”. لو ترك الرسول صلى الله عليه وسلم “أجندة”، “نظرية للحكم”، لاحتكموا إليها، وانتهى الأمر. ولكن ما حدث في السقيفة هو بداية “الصراع السياسي”، هو أول الدولة. قال الأنصار: “منا أمير ومنكم أمير”، فقال عمر: “هيهات، لا يجمع سيفان في غمد واحد، والله لا ترضى العرب أن تؤمركم ونبيها من غيركم… من ينازعنا سلطان محمد وميراثه ونحن أولياؤه وعشيرته إلا مدلل بباطل، أو متجانف لإثم، أو متورط في مهلكة”. خطاب يلتبس فيه الدين بالسياسة، النبوة بالسلطان، وكان أول وقود لنار العصبية الجاهلية، والوصاية على العرب والكلام باسمهم.

في الدين تحضر ثنائية الحق والباطل، وفي السياسة تستبدل بها ثنائية الصواب والخطأ، فما يكون هنا صوابا يكون في مكان آخر خطأ، وما يكون هنا والآن خطأ يصير في زمن آخر هنا أيضا صوابا. ما فعله عمر والمهاجرون هو بداية غرس “العلمنة”، الجدل الدنيوي حول الدولة، وإن ارتدت السياسة قناعا دينيا. ولكن القرضاوي في كتابه “الإسلام والعلمانية وجها لوجه” 1987، لا يرى في ما يقوله أو يذهب إليه اجتهادا يحتمل الصواب والخطأ، ولكنه يخاطب جمهورا مضمونا مستلبا لا يعيد النظر، مثلما كنت في تلك الفترة، في سنوات اليقين.

ففي مقدمة الكتاب، يصف مناظرة في نقابة الأطباء، مثل فؤاد زكريا فيها الاتجاه العلماني: “كانت الندوة أشبه باستفتاء شعبي على الإسلام والعلمانية، أيهما يختاره الشعب… الجماهير قابلت كلامه (فؤاد زكريا) بالامتعاض والاستهجان، وقابلت كلامي بالتجاوب والاستحسان. والحق أن هذا لم يكن لضعفه ولا لقوتي، بل لضعف الباطل الذي نصب نفسه للمحاماة عنه، ولقوة الحق الذي كرمني الله بالدفاع عنه”.

ثم جرت في النهر مياه، ومر الفيضان بمنعطفات وشلالات، وانشغلت عن القرضاوي وتركته لما قدر له، أو ما اختاره لنفسه، وراقبت بحذر خطبته بميدان التحرير في “جمعة النصر” 18 فبراير 2011. وتوالت مشاهد العبث، حين عيّن القتلة نوابا في البرلمان الإخواني الطائفي واختلط الدين بالسياسة، إلى حد لا يمكن تفسيره بالمنطق، ففي بداية يناير 2013 صرح القرضاوي بأنه ناقش مع محمد بديع مرشد تنظيم الإخوان كيفية استكمال بناء مؤسسات الدولة. شخصان بلا صفة ينظران في قضية استكمال بناء مؤسسات الدولة، أحدهما مقيم في قطر، والآخر ينتمي إلى تنظيم يكفر بمفهوم الدولة.

كان يفترض بعد تأسيس حزب “الحرية والعدالة” أن تعود الجماعة إلى العمل الدعوي، وأن يكون “الحرية والعدالة” حزبا سياسيا بحق. لكن المرشد- الذي لم يضبط يوما ملتبسا بالدعوة أو أي نشاط ديني، هو أو نائبه خيرت الشاطر- كثيرا ما خاض في السياسة، لأن منصبه أكبر من “رئيس الجمهورية”، ولم يكن عبثا أن تكون هتافات المتظاهرين منذ الإعلان غير الدستوري في 21 نوفمبر 2012: “يسقط يسقط حكم المرشد”، وهي إهانة لمرسي الذي لا يعترف به الشعب رئيسا، ولا يطالبون بإسقاط حكمه، وإنما يتوجه الهتاف إلى صاحب الشأن والسلطة، المرشد نفسه.

في نهاية 2012 حث القرضاوي الشعب المصري على قول: “نعم” للدستور، بحجة أن إقرار مشروع الدستور الإخواني سيجذب كثيرا من الأموال، ولوح بإغراء قدره 20 مليار دولار سوف تهبط على مصر إذا أقر الدستور: “هناك أموال كثيرة منها في قطر 20 مليار، مستعدة للدخول إلى مصر، 20 مليون عاطل… كلما نتأخر كلما زادوا في عطلهم وزادوا في بطالتهم”، ولا ندري هل جاءت المليارات؟ وفي أي شيء أنفقت؟

حين يستخدم الدين ورقة سياسية، يخسر الدين وما يمثله من قيم، ويصير رجاله أذلاء وأسرى مختارين لدى ولي النعم. وجه هذا السؤال للقرضاوي: “عادة ما يذكر موضوع قاعدة السيلية التي هي مركز القيادة الأميركية في قطر التي أنت موجود فيها، ما هو تعليقك على وجود هذه القاعدة؟”. كان السائل ذكيا؛ فلم يسأل القرضاوي عما إذا كانت القاعدة موجودة أم لا؟ وإنما عن تعليقه “على وجود هذه القاعدة”. أجاب الشيخ بيقين العالم: “أنا أنكر وجود القاعدة في قطر”.

ليس للرجل منصب سياسي رسمي أو غير رسمي في قطر التي منحته جنسيتها، وتخلو مهامه المرتبطة بزيه الأزهري من صلاحيات تخول له حق نفي أو إثبات وجود قاعدة عسكرية في قطر أو في غيرها. هذا شأن يخص سلطات الحكم في الإمارة، ولكنه يمنح نفسه هذا الحق، ولعله أجبر على ذلك، ولم يكن عبثا أن يطلق عليه لقب “مفتي الناتو”، وقد سئل عن جواز الاستعانة بأجانب في الثورات فأجاب بنعم: “في مصر استعان المسلمون بالأقباط في الثورة”، وهذا تزوير فاضح لثورة وطنية لم يرفع فيها شعار ديني، فإذا لم تكن هذه هي العنصرية فماذا تكون؟

وبعد خلع محمد مرسي، أطلق القرضاوي دعوة لم يجرؤ على إطلاق مثلها لتحرير فلسطين أو إنقاذ غزة، دعا مسلمي العالم “في كل مكان، من إندونيسيا وماليزيا ونيجيريا والسنغال وباكستان وبنغلاداش والهند والصومال والعراق وإيران وليبيا وتونس وسوريا ولبنان وفلسطين والأردن، وفي كل بلاد الدنيا” ليكونوا شهداء في مصر. لا يدري المفتي أن الصومال في عهد “المحاكم الشرعية” تفرقت شيعا وقبائل ودولا، وأن سوريا والعراق وليبيا، تحت راية الإسلامجية، تنتظر يدا إلهية لتنجو.

دعوة الرجل للشهادة في مصر غير وطنية، تتصادى مع تحريض أطلقه شيخ سلفي شتام سباب سليط اللسان يقال له وجدي غنيم للسيطرة على مواقع الجيش “وسرقة ما فيها من سلاح على وجه السرعة، وبدء تشكيل جيش مصري حر يسترد الوطن المسلوب بقوة السلاح من عملاء اليهود”، وهي إشارة صريحة إلى جيش مصر!

أنظر إلى الوراء بدهشة، ثم أتأمل ما آل إليه رجل كان مثالا لوجه الإسلام السمح، ثم صار رمزا لوجه السياسة القبيح، يقول الشيء وعكسه، يمتدح الأسد والقذافي ثم لا يبالي بتدمير بلدين باسم الدين، ويرى مصر ساحة لحرب بين فسطاطين.

أستعيد صباي، وأعجب لحكمة مقلب القلوب، ولا أملك إلا أن أسأل الله حسن الخاتمة.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر