السبت 16 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10844

السبت 16 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10844

الكلب الماشي في ظل العربة

حين دارت العجلات العملاقة لعربة التغيير في شوارع العالم العربي، مشى في ظلّها كثيرون، فظنّوا أن ظلها ظلّهم، وتقدموا ليصنعوا واقعاً ثورياً جديداً.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2014/05/02، العدد: 9546، ص(24)]

لم أعرف كاتباً يستطيع اشتقاق معجزات الصور الإنسانية الطريفة والعميقة معاً، مثل عزيز نيسن، الذي ورث وحده شخصية عظيمة وفريدة ونادرة في التاريخ المشرقي، فكان بجدارة جحا القرن العشرين، وجحا نفسه، الذي ربما لم يكن إنساناً حقيقياً، كان ساخراً متهكماً على واقعه وعالمه، فقد قيل له يوما :”عُدَّ لنا المجانين في هذه القرية”، فقال: “هذا يطول بي، ولكني أستطيع بسهولة أن أعدّ لكم العقلاء”.

أما نيسن فقد صدّر أحد كتبه بعبارة بقيت محفورة في الذاكرة،”عن الكلب الذي يمشي في ظل العربة ويظنّ أن ظلّها ظلّه هو” مختصراً العالم المعقد للإنسان الذي يعتقد بنفسه أكبر بكثير مما هي في الواقع، ويتصوّر أدواراً خيالية تتعدى قدراته، ونماذج الماشي في ظل العربة كثيرة في الواقع، فقد كان في بلد عربي شيخ من شيوخ الصحافة الرسمية ورئيس تحرير لأكبر صحفها، خبراته لم تكن تتجاوز مهنته الأولى في عالم الصحافة، فقد بدأ عاملاً في المطبعة يمسك بالمزيتة، وينقّط على ترس آلة الطباعة الضخمة نقطة زيت كل حين ومين.

وكان نقيب المنتجين الفنيين في تلك البلاد، قد بدأ حياته المهنية عاملاً في صالة سينما ممسكاً بالمصباح، يشعله ويطفئه بين الدقيقة والأخرى، وينير درب المشاهدين في الظلام ويقرأ لهم بطاقاتهم، فظنّ بعد زمن أنه حوت الإنتاج السينمائي في بلاد تحكمها الفوضى وعصابات المافيا.

وحين دارت العجلات العملاقة لعربة التغيير في شوارع العالم العربي، مشى في ظلّها كثيرون، فظنّوا أن ظلها ظلّهم، وتقدموا ليصنعوا واقعاً ثورياً جديداً، ولكنهم حين وصلوا إلى لحظة الحقيقة، وأصبح عليهم أن يؤدوا الدور باستحقاقه وشرطه العلمي كمسؤولية، فرشوا ثيابهم كعجائز السوق، ورفعوا أيديهم بالدعاء تعبيراً عن العجز وقلة الحيلة.

وكان من أشهر قصص عزيز نيسن قصة “الـمُراقب”، التي تحكي قصة سجين سياسي خرج من معتقله حزيناً كئيباً، واستقر في قرية شبه مهجورة، ولكنه ما أن سكن فيها حتى لاحظ أنها ازدهرت ونمت، وكان عاطلاً عن العمل، فتأخر عن دفع إيجار الغرفة التي سكنها، وكثرت ديونه، فاحتار في أمره، فزاره ليلاً البقال ومالك الغرفة وبائع الخضار، وطلبوا منه البقاء في القرية وسامحوه بما في ذمته، فتعجّب، ولكنهم شرحوا له: “اسمع يا أستاذنا الكبير، أدامك الله لنا ذخراً وعزاً، عندما حضرت إلي حيّنا، بدأت الشرطة السرية تجوب أزقته بمظاهر متعددة (زبال ماسح أحذية الخ) لمراقبتك ووضعك باستمرار تحت أنظارهم.

وعلى هؤلاء الشرطة جاءت شرطة آخرون لمراقبتهم، وعلى الآخرين جاء آخرون لمراقبتهم، حتى استقر أغلبهم في هذا الحي، فازدهرت تجارتنا، وأصبحت حالتنا المادية ممتازة، فإذا انتقلت أنت من هنا ستعود المنطقة إلى حالها من الفقر والعوز لأن جميع أفراد الشرطة سيرحلون ليقتفوا أثرك، فلا ترحل يا سيدنا لا ترحل” وأجهشوا بالبكاء وأجهش معهم بالبكاء، ولكن لأمرٍ آخر” تنتهي قصة عزيز نيسين، وتبقى العربة تمشي وكثيرون يمشون في ظلّها، ولكنهم لن يجهشوا بالبكاء كما فعل صاحبنا.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر