الاربعاء 29 مارس/اذار 2017، العدد: 10586

الاربعاء 29 مارس/اذار 2017، العدد: 10586

لينين في ميدان التحرير

بعد ثلاث سنوات من الثورة، انصرف الناس عن ثوار يواجهون أحكاما بالسجن، وكانوا يحملونهم على الأعناق في فورة 25 يناير، ثم فقدوا حماسهم.

العرب سعد القرش [نُشر في 2014/05/06، العدد: 9550، ص(9)]

الآن، وبعد اندفاع سفينة الثورة المصرية بعيدا عن الشاطئ، وسعي كل طرف إلى جذبها أو إبعادها، فضلا عن محاولات تفجيرها، أترحم على السيد فلاديمير لينين. كان أكثر منا حكمة، إذ تجاوز بسرعة سَكْرة نجاح الثورة في إسقاط النظام القيصري إلى الفكرة، وانتبه إلى أن الثورات لا تستبدل شعبا يؤمن بالحرية بآخر متردد، وأن على القوى الثورية أن تبث روح الثورة في قلوب الجماهير، وألا تهين الشعب بعد إنجاز الموجة الأولى للثورة، وألا تتعالى على الناس، بل تقترب منهم، ليس من باب رد الجميل، وإنما ادخارا لهذا الوقود البشري في جولة أخرى من الثورة المستمرة.

عقب خلع مبارك مساء 11 فبراير 2011، كنا نهتف في ركن “مدني” بميدان التحرير: “مدنية مدنية.. مش عايزينها عسكرية”، تحسبا لانقلاب عسكري، في حين كان الميدان ساحة لشعار السلفيين: “الله وحده أسقط النظام”، وهتاف الإخوان: “الشعب يريد إخلاء الميدان”، تمهيدا لانفرادهم بشعب يعرفون ميوله الدينية الفطرية.

بحسن نية أو بغير ذلك، انشغل بعض الداعين إلى الثورة بمنافع صغيرة. بدأت الدعوة إلى “25 يناير” إصلاحية، ولو أقال مبارك وزير الداخلية، مساء الثلاثاء 25 يناير، وأعلن عن تعديل بعض مواد الدستور، وقبول الطعون في الانتخابات البرلمانية المزورة لانتهى الأمر، ولكنه لحسن الحظ لم يفعل، فارتفع سقف المطالب في جمعة الغضب. كان الشعب هو القائد، والثورة آن أوانها وشرطها التاريخي، فصار الشعار: “الشعب يريد إسقاط النظام”.

بالأمل وحده، في التغيير وتحقيق الحرية والعدل، اندفعت الجماهير وشاركت واحتملت، عسى أن تنال نصيبها من 70 مليار دولار أعلن آنذاك أنها ثروة مبارك المهربة، ورأيت على سور بالميدان لافتة مكتوبة بخط غير جميل على بقايا ورقة كارتونية:“نصيب كل مواطن في ثروة جمال مبارك فقط 87000 جنيه للفرد”.

هم أنفسهم الذين خرجوا في 30 يونيو 2013 يطالبون محمد مرسي بالرحيل، بعد خيبة أملهم في إنجاز مطالب الثورة، وكانوا قد اختاروه من باب الأمل. قبل اختيار مرسي حمل الناخبون إلى البرلمان الإخوان والسلفيين، حصاد مستحق لهم، إذ كان ممثلو اليمين الديني أكثر إخلاصا لما دعا إليه لينين، في الاقتراب من الشعب، في حين انشغل عن الجماهير من كانوا أكثر إيمانا بالثورة، دعوة إليها وإسهاما فيها، وتحملا لنتائج أخرى، كارثية ربما، كان ممكنا أن تنتهي إليها.

بحث هؤلاء الأنقياء عن خلاص فردي. أوهمتهم البراءة الثورية أن خلع مبارك هو الغاية، فانصرفوا إلى جمع غنائم صغيرة.. تقديم برامج تلفزيونية، مشاركة في أسهم وسائل إعلامية، غير واعين تماما أن للعمل الميداني شأنا آخر.

محمد علي لم يقرأ كتاب “الأمير” لماكيافيللي، وحين نصحوه بالاستماع إلى من يقرأه عليه، أحس بالضجر بعد عدة صفحات، وقال إنه يعي هذا الكلام، وينفذه على نحو أفضل من هذا المؤلف. الإخوان أيضا لم يقرأوا كتاب لينين “مرض اليسارية الطفولي”، ولكنهم نفذوا نصيحته، وصيته التي زاد عمرها على 90 عاما، وهو يدعو اليساريين إلى إقناع الفئات التي لم تشارك في الثورة، والعمل بينها “لا أن يضعوا بينهم وبينها سياجا من الشعارات الصبيانية اليسارية المخترعة”، هي مهمة تحتاج إلى شيء من مجاهدة النفس، ولكن النتيجة تستحق، وهي دعم الجماهير للثورة.

ينصح لينين في كتابه “مرض اليسارية الطفولي” بالتحلي بكثير من الصلابة والصبر، وتحمل التضحيات “وعدم الخوف من المكائد والمماحكات والإهانات والملاحقات” من جانب الانتهازيين المرتبطين “بالبرجوازية وبالشرطة”، الأخيرة قوة باطشة في يد من يصل إلى السلطة، أما البرجوازية فهي قوى تملك وسائل الإنتاج، وتستطيع بما لديها من ثروة- لا تتاح للثوار في بدايات الثورة- تحويل مسار الثورات، والتحكم في ميول الجماهير ورغباتهم. ولم يكن مصادفة أن يسجل لينين في كتابه الذي نشر عام 1920، بعد ثلاث سنوات على نجاح الثورة البشلفية، أن “العدو الأشد بأسا” للثورة هو البرجوازية، تلك التي “تضاعفت مقاومتها عشرة أضعاف بعد إسقاطها”.تضاعفت قوة الخائفين على ضياع مكاسبهم القديمة.

هم مستعدون للمقامرة بما لديهم، وإشعال النيران في البلاد والعباد إذا أحسوا باليأس، ولا يأمنون للعهد الجديد أن يبقي على امتيازاتهم القديمة، والفيصل بينهم وبين قوى الثورة هو وقود الثورة نفسه.. هو الشعب.

هنا يحث لينين “الطبقة الثورية” على استمرار التوعية السياسية، وأن تدرك قوى الثورة “أنه يستحيل الانتصار دون تعلم علم الهجوم الصحيح والتراجع الصحيح”، والتمتع برؤية الطائر من أعلى لفهم السياق العام للمشهد، وما إذا كانت الحاجة تدعو إلى نوع من المساومة، مفرقا بين “مساومة ومساومة”.. بين أن تسلم قطاع طريق مسلحين أوقفوا سيارتك وهددوك، وتترك لهم السيارة نفسها، لتجنب الشر وضمان السلامة الشخصية، تمهيدا للقبض عليهم.. وبين أن تعطيهم المال والسلاح، لكي تشترك معهم في اقتسام الأسلاب.

يهدف النوع الأول من المساومة إلى تقليل المخاطر، وفي رفضه “صبيانية يتعذر حتى قبولها كأمر جدي. يجب على السياسي الذي يريد أن يكون مفيدا للبروليتاريا الثورية أن يستطيع تمييز تلك الحالات الملموسة من مثل تلك المساومات غير الجائزة التي تعكس الانتهازية والخيانة… يتصور السذج وعديمو التجربة من الناس أنه يكفي أن نعترف بجواز المساومات بوجه عام”، ولم يغفل لينين أن ينبه إلى أن المتمرسين على خيانة الثورات لديهم طاقة ورغبة شريرتين على نصب الفخاخ للثوار الأنقياء، إذ تستطيع القوى المضادة للثورة أن تستفز الاشتراكيين الثوريين، وتنصب لهم فخاخا يقعون فيها “كالأطفال”، ويصير التطرف اليساري أكثر خطرا على الثورة من قوى اليمين. لم يكن اليمين الديني مطروحا في الثورة البلشفية!

يرى لينين أن “النظرية الثورية الصحيحة التي هي بدورها ليست عقيدة جامدة… تكتسب شكلها النهائي فقط بالترابط الوثيق مع نشاط حركة جماهيرية حقا”، وأن العمل الحركي الثوري معركة مستمرة تحتاج إلى مهارة ومناورات لا تقل عن وسائل الجيوش، إذ “يتفق الجميع على أن الجيش الذي لا يعد نفسه لإتقان استخدام جميع أنواع الأسلحة وجميع وسائل وأساليب الكفاح… إنما يسلك سلوكا طائشا بل وإجراميا”.

من أخطاء ثورة 1952 أنها لم تجد صيغة مناسبة لاحتضان البرجوازية الصغيرة، وتنمية قطاع خاص وطني وفاعل، بطريقة تحول دون السعار الذي أصاب هذا القطاع في عصر السادات. كان التأميم باترا، حيث يكون الإصلاح أجدى.

الأمر نفسه يتكرر نظريا بعد ثورة 25 يناير، لأن الثورة لم تختبر في الحكم، والثوار منذورون لاتهامات تتراوح بين تلقي تمويل وعدم الولاء للوطن.

بعد ثلاث سنوات من الثورة، انصرف الناس عن ثوار يواجهون أحكاما بالسجن، وكانوا يحملونهم على الأعناق في فورة 25 يناير، ثم فقدوا حماسهم. خاب أمل الناس في شـيء اسمـه ثـورة «لـم تأمنهـم من خـوف، ولم تطعمهم من جـوع»، هذا ما سجلـه لينين حين تحدث عن الرأسماليين، قائلا إنه لا يريد “القضاء على منتجي البضائع الصغار، وهؤلاء لا يمكن طردهم، ولا يمكن قمعهم، إنما يلزم أن نتعايش معهم، فمن الممكن والواجب إصلاحهم وتربيتهم من جديد… فهؤلاء يحيطون بالبروليتاريا”.

الثورة ابن نما وتمرد، مزّق ثياب الأبوة، ولكن هذا الابن لا يملك ترف اختيار أبويه، أو كما قال لينين: “لا يمكن بناء الشيوعية بمواد أخرى غير المواد البشرية التي أوجدتها الرأسمالية، فلا يمكن طرد المثقفين البرجوازيين وإبادتهم، إنما ينبغي التغلب عليهم وإصلاحهم وتمثلهم وإعادة تنشئتهم”.

في كتاب لينين إشارة عابرة إلى اسم بليخانوف، زميل لينين وأحد آباء الثورة البلشفية، هو نفسه جيورجي فالنتينوفيتش بليخانوف مؤلف كتاب “الوصية السياسية”، وقد ترجمه أشرف الصباغ عام 2010، وليس هذا وقت استعراض كتاب بليخانوف القائل: “لا يجب إدانة بروميثيوس لأن الناس يسيئون استخدام النار”، ومن السخف، وإهانة ذكاء الملايين وصف 25 يناير بأنه نكسة لمجرد عجز المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وانتهازية الإخوان، وعدم كفاءتهم في أن يكونوا في مستوى الثورة.

الثورة المصرية عفية، تقاوم النحر منذ 11 فبراير 2011، ولكن استمراره يعرضها للسقوط وإثارة غبار ضحاياه هم وقود الثورة، جماهير الميادين، فالقوى المضادة للثورة في الأدوار العليا، ولا تستسلم بمجرد تغيير نظام الحكم، ولكنها تواصل العناد، والأكثر عنادا من قوى الثورة المضادة هم المزايدون، ربما يكون صراخهم نوعا من التكفير الوطني، والشعور بالذنب، تغطية على سلبيتهم في عصر مبارك.

هؤلاء قال عنهم لينين: “ليس من الصعب أن يكون المرء ثوريا، عندما تكون الثورة قد اندلعت واستعر أوارها، عندما يلتحق بالثورة كل أحد، إما اندفاعا وراء الأحاسيس، أو اقتفاء للموضة، أو حتى أحيانا من أجل مصالح وصولية خاصة”.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر