الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

سبهوزا والمماليك

لابد من محكوم فطن ينتبّه إلى الحكام، ويفهم لغتهم حتى يدفعهم لفعل ما يراه الأًصلح لدولته وشعبه.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2014/05/09، العدد: 9553، ص(24)]

قيل إن الحكم فن، ولا نعرف من الحاكم والمحكوم في بقاع كثيرة من العالم، ومع الزمن، يثبت أكثر فأكثر أن الحكم علّة وابتلاء، تتضافر فيها مجموعة من العقد، منها تحولاتٌ جينية، تصيب الطرفين باللوثة، فيصبح الحاكم معرضاً متنقلاً لهلوسات كثيرة، تقابلها هلوسات من نوع آخر من المحكومين.

وقد قرأت عن الرئيس الأوغندي عيدي أمين، الذي تولى الحكم في العام 1971، أنه كان أكثر الحكام غرابة في أفكاره، وربما لم يتجاوزه أحد في القارة السوداء، ففي العام 1976 أعلن عيدي أمين من طرف واحد، أنه أصبح ملكاً على اسكتلندا، وأنه سيحضر احتفالات الشعب الاسكتلندي العظيم بالاستقلال عن بريطانيا العظمى، وزعم أنه تلقى الكثير من الطلبات من الشعب الأشقر تطالبه بتولي عرش اسكتلندا.

أما الناس فقد تعاملوا مع تلك النهفات التي يجترحها الحكّام، بحيلٍ تاريخية مثلها، فقد روي أن الملك كوكودو ملك كوندي في الكونغو الفرنسية، كان قاسياً على الشعب، حتى أنهم كانوا لا يقدمون على أمرٍ إلا إذا قرر هو، وفي يوم من الأيام مات الملك كوكودو، فتحيّر الناس ما الذي سيفعلونه به الآن وهو صاحب القرار؟ فظل جثمانه ينقل على مدى ثلاث سنوات في نعش يتحرك على عجلات، وكانوا يقدّمون له الطعام، وينتظرون قراره بالبقاء ميتاً أو العودة إلى الحياة.

أما في سوازيلاند فقد تفاخر ملكها سبهوزا أنه وصل الحكم وعمره خمسة اشهر فقط، في عهد الملكة فيكتوريا في العام 1899، وتزوج من مئة وخمسين امرأة، وأنجب أكثر من ستمئة ابن وابنة، وحين شارف على الوفاة اختلف أبناؤه في ما بينهم فقد ترشّح مئتان وستون ابناً شرعياً لسبهوزا لمنصب ولاية العهد، وكان لكل ابن منهم أتباع سياسيون ومناصرون، علماً أن عدد سكان سوازيلاند لا يتجاوز الثمانمئة ألف نسمة.

وكان لابد من محكوم فطن ينتبّه إلى الحكام، ويفهم لغتهم حتى يدفعهم لفعل ما يراه الأًصلح لدولته وشعبه، فحين اجتاح المغول المشرق العربي، وسقطت بغداد بأيديهم ثم تلتها دمشق، تعلّل أمراء المماليك بقلة السلاح “النوعي” الذي يمكّنهم من مقاتلة جحافل التتار، فخرج من الشام رجلٌ، عرف بزهده وعلمه وقوّة قضائه، اسمه العز بن عبدالسلام الدمشقيُّ الشافعيُّ الذي كان قد تولّى إمامة الجامع الأموي في دمشق ومسجد عمرو بن العاص في القاهرة بعد أن ترحّل إليها، وأصدر وثيقة شرعية، تنص على أن المماليك تعود ملكيتهم أصلاً إلى بيت مال المسلمين، وفي ظل هذه الظروف، والحاجة إلى “السلاح النوعي” فقد أفتى شرعاً أن يباع المماليك في سوق النخاسة كي يشتري الناس بثمنهم ما يكفيهم للدفاع عن أعراضهم وبيوتهم، فأصاب الأمراء الذعر من فتواه.

ورضخ الملك الصالح أيوب لتلك الفتوى ببيعهم في مزاد علني، فأخذ الشيخ ينادي على أركان وأمراء الدولة واحدًا بعد آخر ويغالي في ثمنهم، فقرر الملك الصالح دفع الثمن من ماله الخاص ليودع في بيت مال المسلمين، مما رفع رصيد الخزينة فتسلح الجيش وسارع المماليك إلى محاربة التتار وأوقعوا بهم الهزيمة.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر