الخميس 21 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10758

الخميس 21 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10758

غياب التغيير في صناعة الحكم بالعراق

مرجعيات الإسلام السياسي الشيعي التي لديها الكلمة النهائية وفق حسابات المصالح في المنطقة، هي التي ستحسم نتائج الصراع وترشيح الاسم النهائي لزعامة رئاسة الوزراء.

العرب د. ماجد أحمد السامرائي [نُشر في 2014/05/12، العدد: 9556، ص(9)]

مرشحو الانتخابات الباحثون عن الأصوات ما زالوا على محطات الانتظار في مهرجان لم تألفه تجارب الديمقراطيات في العالم، وسط أحاديث من قبل الكتل المناوئة لقائمة نوري المالكي عن احتمالات للتزوير بعد أن زودت مفوضية الانتخابات العراقية بأحدث التقنيات التي تخفف من احتمالات التزوير، وكان يفترض أن تختزل ساعات الفرز والعد إلى أدنى الحدود وليس إلى 25 يوما مثلما أعلنت المفوضية، حيث من المقرر إعلان النتائج في الـ25 من هذا الشهر.

والمهم في هذا التاريخ تحويل المشاورات السرية للتحالفات إلى العلن، ولكن ما هي طبيعة تلك التحالفات، وهل هناك اختراق للمنتج الذي قدمته انتخابات عام 2010؟ وهل للشعارات الإعلامية التي تتحدث عن “التغيير” والتي سادت مؤخرا بين أوساط المعارضين للمالكي داخل البيت الشيعي وكذلك في البيتين العربي السني والكردي من دلالات خارج دلالة عدم التجديد لولاية ثالثة للمالكي؟ الأحاديث والتسريبات جميعها مؤقتة وافتراضية، مع أن المواطن العراقي الذي تحمل مخاطر الذهاب إلى صناديق الاقتراع للمرة الثالثة خلال عشر سنوات لم يضع في ذهنه من يكون رئيس حكومته المنتخبة، المالكي أو غيره، ما يهمه من يحقق له الأمن والخدمات وأضيف إليها هذه المرة حل أزمة الأنبار ومحاربة الفساد.

شعار التغيير الذي يتحدث به الخطاب الإعلامي لمعارضي زعامة المالكي لولاية ثالثة ليس حقيقيا أو ليس المقصود به تغيير مسار العملية السياسية، لأن من يطرحه اليوم هي ذات القوى الانتخابية وذات الزعامات الشيعية والسنية والكردية التي فازت في انتخابات 2010 مع هامش بسيط وغير مؤثر لبعض الكتل الصغيرة والوجوه الجديدة التي دخلت المنافسة الانتخابية الحالية، وهي ليست ذات تأثير في اللعبة، وإنما ستسد نقصا في استحقاقات الحصص. ولو أن دعاة شعار “التغيير” جادون في ما أعلنوا لقبلوا بلعبة المعارضة المعروفة داخل البرلمان “حكومة الظل” فحينما تكون هناك معارضة قوية ناجحة تكون هناك حكومة قوية ناجحة.

وسبب عدم تبني ذلك ليس جهل العراقيين وإنما لأن من بنى مرتكزات السلطة والنظام السياسي في العراق والذي صمم الدستور هو الاحتلال الأميركي بمبايعة أحزاب الإسلام السياسي الشيعي والكردي، التي سبق أن دخلت قبل عام 2003 في ما سمي (التحالف الكردي الشيعي) حيث قرر الدستور تقسيم العراق إلى مكونات وليس وفق المواطنة والوطن الواحد. كما وزعت وفق تفاهمات هذا التحالف القوي الرئاسات الثلاث (الحكومة شيعية والبرلمان سني ورئاسة الجمهورية كردية) وهذا التحالف ظل قويا في إدارته للعملية السياسية حتى اليوم رغم الاختلالات التي حصلت بين بعض أطرافه بسبب مفردات تفصيلية يمكن الاتفاق على تجاوزها بسهولة.

ما حصل وفق المنظور السياسي داخل البيت الشيعي في السنوات الأربع الأخيرة هو انعدام التوازن بين إدارة العملية السياسية المتمثلة في قوى التحالف الوطني، وبين الإطار الاداري التنظيمي المتمثل في دولة القانون التي يتزعمها المالكي. أي بمعنى أكثر وضوحا هو ادعاء تجاوز المالكي لحاضنته في البيت الشيعي، سواء في صلاحياته أو في هيمنته التي أزعجت أركان ذلك البيت، ولذلك اندفع إلى تنفيذ سياسات لإثبات ولائه لطائفته، إلى درجة خروج بعض عناوين تلك الأركان عن همسها إلى العلن، مما وجد ترحيبا لدى الكتل السياسية المناوئة للمالكي من خارج البيت الشيعي، ولأسباب تكتيكية قد تزول وفقا لمتغيرات الحصيلة الانتخابية.

والجميع يعلم أن مثل هذا التنافس داخل أروقة البيت الشيعي حول ترشيح رئيس الوزراء حصل مرات عديدة خلال عامي 2006 و2010 قبيل كل عملية ترشيح حظي بها المالكي. فالخصومة تتعلق بزعامة الأشخاص وليس بزعامة المشروع من عدمه، ولهذا فإن مرجعيات الإسلام السياسي الشيعي الداخلية وكذلك الخارجية التي لديها الكلمة النهائية وفق حسابات المصالح في المنطقة، هي التي ستحسم نتائج الصراع والاسم النهائي لزعامة رئاسة الوزراء. وفقا لعوامل عديدة تتعلق بالمنظومة الداخلية لهذا البيت، ولن يكون للتحالفات الهامشية أي تأثير في حسم الاسم النهائي حتى وإن كان المالكي ذاته.

أما على صعيد القوائم التي تنسب لنفسها تمثيل العرب السنة، فإن صراعاتها حول الأحجام الأقل، وهي لا تتجاوز بعض الوزارات غير السيادية التي يتمسك بها الأكراد والشيعة، رغم ما يتم تداوله بالحصول على منصب رئيس الجمهورية أمام إصرار الأكراد عليه وتداول اسم هوشيار زيباري لهذه المهمة.

وتتكئ القوى العربية السنية على القيادة الكردية التي تمتلك جميع أوراق المناورة لمن يقدم لها الأفضل في مطالباتها المعلنة في الثروة والسيادة على الأرض. ولهذا فالطرف الأضعف في اللعبة هم العرب السنة الذين وضعوا مصالحهم الخاصة في مقدمة استراتيجيتهم في الحوار مع الأطراف الأخرى، وتظل القوى العابرة للطائفية متواضعة في حجمها لسبب رئيسي هو أن هذا الخط يهدد مصالح القوى الطائفية.

إن معطيات الحاضر وعشر سنوات من فشل العملية السياسية لم تقد إلى تبني مشروع تصحيحي جذري لتغيير مسار تلك العملية، كان يمكن لمهمة التغيير تلك أن تدور حول مقومات بناء الوطن، ومحاربة المنظومة الطائفية التي أنتجت الانتقام والقتل والإقصاء السياسي والطائفي، إلى دولة المواطنة ودولة المؤسسات، تحرّم الطائفية وتشيع السلم بإجراءات وقوانين واضحة. وهذا لم يحدث، فأي تغيير يتحدثون عنه؟

نأت القوى الخيرة داخل العملية السياسية بنفسها عن الدخول في مغامرة الإصلاح لأنها تعرف النتائج ولا تريد فقدان مواقعها. والذي سيحصل بعد تصديق نتائج الانتخابات هو تجديد لون الخيمة لا أعمدتها، أو نقلها ساحة بناء رحب يتسع لجميع الكفاءات والنخب السياسية الوطنية العراقية لخدمة المواطنين دون أي اعتبار مذهبي أو عرقي. المناورات ستكون داخل تلك الخيمة التي لم يتمكن الشعب من تمزيقها واختيار بدائل وطنية لأن القانون المستحكم هو “نظام المحاصصة” والذين يسمونه “نظام الشراكة” وهو نظام فاشل بجميع المعايير.

لا تغيير في الحكم والسلطة في العراق، قادة الفشل سيظلون في مواقعهم رغم تغيير الألوان، وهناك خوف من بقاء مافيات الفساد، عدا استثناءات قليلة للمصلحين وحاملي الهم الوطني، وهم غير قادرين على التغيير.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر