الخميس 27 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10615

الخميس 27 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10615

سيد قطب يصنع أسطورة السيسي

بعد 23 يوليو 1952 زار عبدالناصر قبر حسن البنا، وعلى السيسي بعد تنصيبه أن يزور قبري البنا وسيد قطب، فلولا أفكارهما العنصرية لظل مجرد وزير للدفاع.

العرب سعد القرش [نُشر في 2014/05/14، العدد: 9558، ص(9)]

بإرادة الشعب واختياره سوف يفوز عبدالفتاح السيسي. بصعود الجنرال تستعاد “الدولة”، لكي تبدأ على الفور معركة طويلة النفس، بين ثنائية الأمن والديمقراطية، سنعود إلى بدايات ثورة 25 يناير لتحقيق أهدافها، بعد أن استطاعت الثورة أن تميز هذا من ذاك، لن أكتب “الخبيث من الطيب”، لأننا تجاوزنا، ربما إلى الأبد، عبثا باسم الدين، وصار الصراع دنيويا ماديا على أرضية “الدولة” وبأدواتها، بعيدا عن ادعاء أي طرف تأييد السماء له، وخذلانها للآخر.

زيارة خاطفة لدارنا في القرية، وضعتني في مواجهة فكر كان يفترض أن أكون أحد جنوده، ونبهتني إلى المسافة بين ما تفكر فيه النخبة وما يريده الناس. عثرت في مكتبة الصبا على كتيبين للشعراوي والقرضاوي، وكنا نتكلم في المستقبل، وطرحت اسم حمدين صباحي، على سبيل جس النبض فاعترضوا على الفكرة، هؤلاء بسطاء لا يستهويهم الكلام الكبير، ولا يجرؤون على الانتقال في الليل؛ ففي الآونة الأخيرة انتشر قطاع الطرق، وسرقوا سيارات تحت تهديد السلاح، واقتحم لصوص زرائب وأفرغوها من المواشي. حين لا يأمن الناس على أرواحهم وأموالهم لا يريدون الحديث عن شيء آخر.

يؤمن المصريون بالله الذي بحثوا عنه وتوصلوا إليه، واهتدوا إلى العالم الآخر، وبعد الله يؤمنون بمفهوم “الدولة”. لو حدثت وقائع “جمعة الغضب” في دولة أخرى لانهارت، ولكن الرقي الحضاري للمصريين جعلهم يضحون بأرواحهم لحماية “دولة” أنقذوها من عصابة مبارك وابنه، فتشكلت اللجان الشعبية في غياب تام للشرطة، وكان ميدان التحرير أكثر الأماكن أمنا في مصر، وربما يفسر ذلك انجذاب الناس إليه، دعما للثورة، وطلبا للأمان، فضلا عن الرهان على الأمل.

يفخر المصري بأداء “الخدمة العسكرية”، ويعتبرها “ضريبة الدم”، لأنه يؤمن بالدولة، وحين يخشى عليها الانهيار ينسى أي شيء آخر، لأن شيئا لن يتحقق في دولة لم تعد دولة. وسوف تظل كلمات للمرشد السابق للإخوان مهدي عاكف لعنة تطارد الجماعة، قال: “طز في مصر”.

بعد 23 يوليو 1952 زار جمال عبدالناصر قبر حسن البنا، وعلى السيسي بعد تنصيبه أن يزور قبري البنا وسيد قطب، فلولا أفكارهما العنصرية لظل مجرد وزير للدفاع. أسهم الرجلان بالنصيب الأوفر في صناعة أسطورة السيسي.

قبل 30 يونيو 2013 كان التأكيد على رفع العلم المصري وتجنب رفع صور أشخاص، عبدالناصر تحديدا، ولم يكن السيسي مطروحا في ذلك السياق، ثم انطلقت من “منصة رابعة” تهديدات لا تحتمل التأويل، وكان على المصريين أن يختاروا بين ثورة سلمية تريد تصحيح مسارها وتنظيم عنصري له ميليشيا، يصطف خلفه قادة السلفية الجهادية قتلة الجنود في سيناء، وعاصم عبدالماجد المتهم بالاشتراك في قتل 118 جنديا ومواطنا في عيد الأضحى (1981)، وصفوت حجازي صاحب مقولة “الرش بالدم”، ومحمد بديع: “سنحمي الشرعية بدمائنا”، وطارق الزمر المشارك في اغتيال السادات: “سنسحقهم يوم 30 يونيـو”، وأيمـن الظواهري: “سنقدم الضحايا والقرابين”.

وقد سبقهم إلى هذا المعنى الدامي رجلان.. محمد مرسي: “ايه يعني لما يموت شوية عشان الباقي يعيش؟”، وحازم صلاح أبو إسماعيل: “إيه يعني لما يموت 10 آلاف في سبيل مشروعنا؟ مصر فيها 90 مليونا”. لا علاقة لإرهاب الإخوان الآن بأسطورة “الشرعية”. للثمرة الدامية أصل فكري.

فشلت طوال أربع سنوات في جامعة القاهرة في معرفة ماذا تكون “الجماعة الإسلامية”، ولم يعطني الطلبة المنتمون إلى الإخوان إجابة، لأنهم لا يعرفون. كنت على دين الإخوان، وفوجئت في الأشهر الأولى في الجامعة بأن لعبدالناصر، الذي تأكد لي كفره منذ صباي، أنصارا مثله “ضالين”، يقال لهم “الناصريون”. كنت على دينهم فكريا، وكان لابد من اختبار.

دعيت مرة واحدة إلى رحلة خارج القاهرة، لمدينة الإسماعيلية. في التنظيمات السرية لا يتاح لك، وأنت مشروع عضو تحت الاختبار معرفة كثير من التفاصيل، لابد أن تحظى بالقبول، وتنجح في امتحان يبدو لك أنه سلوك تلقائي.

كانت الرحلة يوم جمعة، وقالوا لنا إننا على سفر، وسوف نصلي الظهر لا الجمعة، وكنت على تشددي القديم، ولا أعترف كثيرا بأن الله يحب أن تؤتى رخصه، وقلت إن لدينا طاقة ووقت فراغ يسمحان بصلاة الجمعة.

ناقشتهم، ولا أتذكر الآن هل صليت الجمعة أو الظهر، ولكني اعترضت على ما اعتبرته تعسفا. رأيت عبوسا صامتا، ثم انتهى الأمر بقطيعة. لم توجه لي دعوة إلى أي مكان، وإلى الآن لا أعرف هل كان الداعي إلى تلك الرحلة اليتيمة جماعة الإخوان، أم “الجماعة الإسلامية؟”.

في الزيارة الخاطفة لدارنا، عثرت في مكتبة صباي على كتيبين في سلسلة “صوت الحق”، وهذا يعني أن ما دونه “صوت الباطل”.

الكتيب الأول “الطريق إلى الله” لمحمد متولي الشعراوي، 40 صفحة، وفي تعريفه أنه “كتيب إسلامي شهري يصدره الاتحاد العام لطلاب جمهورية مصر العربية”. في المقدمة يوضح عبدالمنعم أبو الفتوح أن هذا هو الكتاب الإسلامي الثاني لاتحاد طلاب مصر، وهو نص محاضرة ألقاها الشعراوي على “طلاب المعسكر الإسلامي العام في قاعة الاحتفالات الكبرى بجامعة القاهرة في شهر رجب 1394 هجرية الموافق 31 يوليو 1974. ولقد توج فضيلته كلامه بسلوك عملي فذ، فبينما ارتفع صوت المؤذن لأول مرة في قاعة الاحتفالات الكبرى بـ”الله أكبر” توقف فضيلة الشيخ عن إلقاء محاضرته وقال: “نعم الله أكبر”. لن يكلف أي شاب إخواني نفسه مشقة طرح هذا السؤال: هل كان معقولا أن يواصل الشيخ كلامه في جو مشحون بالهوس الديني فيختلط كلامه بالآذان؟

كتب أبو الفتوح أيضا أن طلاب المعسكر أعلنوا “ولاءهم لدينهم الخالد: الإسلام الحنيف مشهدين الله أنهم لا يقبلون غيره بديلا ولا عنه تحويلا.. تلك هي قصة الشباب المسلم من خلال هذا المعسكر الذي حرصوا فيه على أداء الصلوات والقيام والصيام والتعلم وقراءة القرآن، هذه هي القافلة التي يرعاها الله.. ويقودها رسوله صلى الله عليه وسلم”. وجاء في الأسطر الأربعة الأخيرة من الكتيب: “ملحوظة هامة: أخي.. أختي.. بعد أن تفرغ من قراءة هذا الكتيب أعره لغيرك حتى تعم الفائدة وجزاكم الله خيرا”.

إذن امتد الخيط من 1974 إلى 2014، فلن نستغرب تخريبا استهدف الجامعة بعد عزل محمد مرسي، فللمرة الأولى تعزل جامعة القاهرة عن محيطها العام ببناء جدار على أيدي الإخوان وأنصارهم.

حين كان قطب والبنا في الثانية من العمر أي عام 1908، افتتحت الجامعة، ولخصها سعد زغلول، ابن الأزهر، قائلا: “هذه جامعة دينها العلم”، وحرص أول مدير للجامعة أحمد لطفي السيد، حافظ القرآن، على هذه القيمة، فهناك فرق بين الجامع والجامعة رمز العلمانية والتقدم بامتياز، وليس مهمتها أن تربية طلاب يشهدون “الله أنهم لا يقبلون غيره بديلا ولا عنه تحويلا” كما قال أبو الفتوح وكما يتوهم كثيرون، يرون الجامعة ساحة معركة مع الشرك.

أما الكتيب الثانـي فهـو “ظاهرة الغلـو في التكفير”ليوسف القرضاوي، وتاريخه 1978، وهو “كتاب إسلامي دوري”، من إصدارات “صوت الحق”، ولا يحمل الكتاب إشارة إلى اتحاد طلاب مصر، شأن كتيب الشعراوي، ولكنه “سلسلة شهرية تصدرها الجماعة الإسلامية بجامعة القاهرة”، وهي جماعة سرية غامضة، لها أنشطة ولا يعرف أميرها، وتقول الدلائل إنها وثيقة الصلة بالإخوان.

في الصفحة الثانية من المقدمة يواجهنا القرضاوي بهذا الخطاب: “إن الفسقة والفجار والملاحدة واللا دينيين طلقاء أحرار لا يحاسبهم أحد، ولا يعاقبهم أحد بل وثبوا على أجهزة الإعلام والتوجيه وغيرها يوجهونها كما يشاؤون إلى الكفر والفسوق والعصيان”.

أليس هذا الخطاب إرهابا يحرض على قتل المختلف في الرأي باعتباره فاسقا فاجرا ملحدا كافرا؟ وهل فعل قاتلا فرج فـودة غير ذلك حـين ارتكبـا الجريمـة يوم 8 يـونيو 1992؟ لم يستنكر الإخـوان القتـل ولا الفتوى بإهـدار دم الرجـل، ثم شهد محمد الغزالي في المحكمة بإدانة الضحية، وقال إنه “كافر ومرتد… ويجوز أن يقوم أفراد الأمة بإقامة الحدود عند تعطيلها، وإن كان في هذا افتئـاتـا على حـق السلطـة، ولكـن ليس عليه عقوبة”.

تحريض القرضاوي ربما يبرر جريمة شكري مصطفى، بعد خطف الشيخ محمد حسين الذهبي وزير الأوقاف، وقتله عام 1977. في ذلك الوقت نفى عمر التلمساني مرشد الإخوان أن يكون القاتل “من الإخوان”، ولكن لمصطفى مشهور رأيا آخر، يقترب منه رأي الغزالي في قتلة فرج فودة. تساءل مشهور مستنكرا موقف التلمساني: “ما الذي يأخذونه على فكر شكري مصطفى؟ نعم لم يكن حصيفا في اغتيال الشيخ الذهبي ولكنه لم يكن مخطئا”. (ثروت الخرباوي: سر المعبد).

القرضاوي، الذي كنت أحسبه وسطيا، لم يراجع أفكاره الإرهابية، ففي الجزء الثالث من سيرته الذاتية “ابن القرية والكتاب.. ملامح من سيرة ومسيرة”، ويغطي الفترة من 1965 إلى 1977، يعيد نشر ما ذكره في مقدمة “ظاهرة الغلو في التكفير”، إضافة إلى ملحق عنوانه “نصوص من كتب الشهيد سيد قطب تحمل تكفير مسلمي اليوم”، ويضم الملحق نصوصا من تفسير قطب “في ظلال القرآن”، و”معالم في الطريق”، والمفاجأة هي نص من كتابه “العدالة الاجتماعية في الإسلام” المنشور قبل انضمامه إلى الإخوان وسفره إلى أميركا. ويقول فيه قطب: “إن وجود الإسلام ذاته من ثم قد توقف”، و”الإسلام إذن غير موجود اليوم على الأرض، والمسلمون غير موجودين، وإن كان الكثيرون منهم يحبون أن يكونوا مسلمين، ولكن يجـب أن نصارحهم بالحقيقة المرة- وإن كانت مؤلمة- أنهم ليسـوا مسلمين، هم إذن كفار ومشركون، ويجـب أن يدخلوا في الإسـلام من جديد، على أساس جديد”، وبهذه الجملـة، في صفحة 470، ينتهي كتاب القرضاوي.

“لا يوجه القرضاوي نقدا لقطب، بل يعتبره شهيدا “حوكم.. على أخطر كتاب ألفه، وهو كتاب معالم في الطريق فهو الذي تتركز في أفكاره الأساسية في التغيير الذي ينشده”. وتجاهل الجريمة التي سجلها الإخوان أنفسهم ومنهم علي عشماوي الذي يكن لقطب حبا كبيرا، ويشهد بحكمته في إدارة تنظيم 1965 تهديدا وتفجيرا واستعدادا للقضاء على دولة عبدالناصر الكافرة. السيسي مدين بالكثير لسيد قطب.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر