الاثنين 11 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10839

الاثنين 11 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10839

الموسوعي مسبع الكارات

لم تفلت قضية مهما كانت كبيرة أو صغيرة من نَفَس قصاب حسن اللاذع في نقله للواقع دون مبالغة ولكن بلغة جارحة مسدّدة.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2014/05/16، العدد: 9560، ص(24)]

على قدر احترامه لمهنته وتقديره لها، إلا أن صاحبنا كان يتهكّم عليها كعادة جيله ومناخه، فقال عن جولاته في المحاكم ممتدحاً صديقاً له كان قاضياً:”قد كان يكرُجُ بين خمسِ محاكمٍ/ فهنا حراميٌ وثمةَ قاتلُ/ وهناكَ حشّاش وآخرُ أزعرٌ/ وزبوننا السرسريُّ السافلُ/فنغطّهم ويغطّهم أستاذنا في “التايد” نغسلهم ونِعمَ الغاسلُ”، وكتب عنه الأستاذ صباح قباني :” يقولون في الشام عن متعدد المواهب والاهتمامات إنه (مسبع الكارات)، أي يمارس سبع مهن مختلفة في وقت واحد، نجاة قصاب حسن هو ذلك الرجل، إنه القانوني الحاذق، والصحفي والكاتب اللامع، والمحدث الجذاب، والموسيقي البارع، ورسام الكاريكاتور، والخطاط الأنيق، وقبل كل شيء الدمشقي الأصيل العريق الظريف، وحين جلست مرة لأرسمه رسماً كاريكاتورياً، كعادتي معه وعادته معي كلما التقينا، سألني على أية صورة ستجعلني؟ فقلت له وأنا مستغرق في الرسم: فكرت أن أجعلك كتماثيل الآلهة الهندية القديمة ذوات الأذرع الكثيرة لأدل على مواهبك المتعددة، ولكن الورقة التي أرسم عليها لا تتسع لها كلها، وسأكتفي اليوم بأن أجعلك محامياً يعزف على القانون”. ‏

وكان قصاب حسن فوق ذلك مترجماً عن اللغة الفرنسية وله كتب منشورة في التأليف والترجمة، ولا يصح الحديث عنه، دون ذكر مقرّه الاستراتيجي، الذي لا يمكن لأحد أن ينسى دوره الكبير في احتضان الحياة الثقافية والذي تمثل في مطعم “القنديل” أو “لاتيرنا” الذي امتلكه قصاب حسن وأسرته في بوابة الصالحية، وفوقه بيته ومكتبه، حيث اجتمعت فيه نخب سوريا متعاقبة الأجيال، سياسياً وثقافياً وفنياً، يضاف إليها كافة أطياف المعارضة العربية، وغير العربية التي سكنت دمشق، ففيه كان يمكنك أن ترى السياسيين السوريين والأدباء والفنانين وقد تشاهد مرات ومرات الرئيس العراقي جلال طالباني على إحدى الطاولات، وقد يمر عبدالله أوجلان وربما كارلوس، أو المستشرقون الذين عاشوا في دمشق، أو أصدقاؤه عاصي ومنصور الرحباني وفيروز.

ولم تفلت قضية مهما كانت كبيرة أو صغيرة من نَفَس قصاب حسن اللاذع في نقله للواقع دون مبالغة ولكن بلغة جارحة مسدّدة، فكتب مرة إن أتاتورك كان قد أسّس جمعية لمنع استخدام اللغة العربية، فتم افتتاح مقرٍّ لها ووضعت لوحة على الباب كُتب عليها “جمعيت مكافحت لغت عربيت”.

رأى نجاة قصاب أن مدينته أقوى من عواصف الزمان فكتب ذات يوم:” وليست معجزة دمشق في برداها ولا في غوطتها بقدرِ ما هي في شيء آخر وهو قدرتها على هضم الأعداء الذين يتسلطون عليها لفترة من الزمن، فتوالى عليها العديد من الحكام الذين لا تعرف حتى في بعض الأحيان أن تلفظ أسماءهم، ومع كل التعسف على العباد فقد بقيت جذور العربية في دمشق حية بل ناشطة حتى أقول شرسة، ومن دمشق هذه انبعثت الحركة العربية من جديد”، كان قصاب حسن كما قال عنه الشاعر الكبير نزار قباني “شفاه من ليس لهم شفاه”.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر