الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

الرجل يتخبط في النور والمرأة في أرض ظلام

الوعي النسائي الروائي يواجه واقع المرأة العربية بعد فشل المشاريع السياسية والأيديولوجية للقوى الثورية التي جعلت من المرأة كهامش لها.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2013/08/27، العدد: 9302، ص(14)]

القوى الثورية تغيّب مشاركة المرأة لتجعلها تابعة لها

رغم مرور أكثر من قرن على بدايات عصر التنوير العربي وأكثر من نصف قرن على نيل المرأة لحقوقها السياسية في أكثر من بلد عربي، تواجه المرأة اليوم تحديات جديدة- قديمة كانت تعتقد أنها تجاوزتها بسبب الفشل الذريع الذي أصاب مشاريع التحديث والثقافة العربية بعد أن عجزت عن الإجابة على الاسئلة التي كان يطرحها الواقع العربي، من خلال العمل على توطين فكر الحداثة وتطويره في الذهنية والسلوك والموقف من الحياة والعصر الذي نعيش فيه.

الرواية النسوية أي المعنية بالهم النسوي وقضايا المرأة بعيدا عن لغة الشكوى والندب التي نجدها تطغى على الكثير من لغة السرد الذي تكتبه الروائيات، استطاعت من خلال رؤية نقدية للواقع أن تستحضر حالة الإحباط والخيبة التي تعيشها المرأة العربية الآن بعد مرحلة طويلة من المشاركة الفاعلة في النضال الوطني والسياسي والاجتماعي، باعتبارها جزءا أساسيا من المكون الأجتماعي العربي، وصاحبة قضية تحرر وحقوق مهدورة، ربطت مصير قضيتها بمصير القوى والأحزاب التي كانت تتبنى قضية الحرية والعدالة الاجتماعية وقيادة مشروع التحديث العربي.

مع فشل تلك الأحزاب في تحقيق ما أدعته، وانتدبت نفسها لتحقيقه، اكتشفت المرأة العربية حجم الإحباط والخيبة الذي تواجهه وقد غدا مضاعفا، ذلك لأن تلك القوى عندما وصلت إلى السلطة عملت على إلحاق المرأة بها كهامش وتابع تخضع لسلطتها وتوجهاتها، فلم تمنحها الحق بالمشاركة السياسية الفاعلة، أو في المساهمة في عملية التغيير كجزء من المجتمع المدني الذي تم استبعاده من خلال هيمنة الحزب أو السلطة واحتكاره لها.

هذا الوضع جعل خيبة المرأة خيبتين الأولى على صعيد مشاركتها ودورها المأمول في المجتمع، والثانية أن فشل تلك الأحزاب والقوى في قيادة بلدانها والانتقال بها نحو مرحلة التحول المطلوبة انعكس سلبا على واقع المرأة، التي وجدت نفسها بعد الفراغ الذي أحدثه عجز تلك القوى على الساحة السياسية والاجتماعية، تطالب بالعودة إلى مرحلة ما قبل عصر التنوير والنهضة بعد هيمنة قوى الإسلام السياسي المتشدد وخطابها الأصولي.

صحيح أن المرأة العربية التي خدعت بخطاب الحرية والتقدم والثورة الاجتماعية هي اليوم تدفع ثمن أخطائها، لكن الكتلة الكبرى من النساء ظلت خارج هذا التأطير الايديولوجي عندما جرى تغييب المجتمع المدني عن أي دور في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية، فكان أن تغولت السلطة ونحّت المجتمع جانبا لتصبح هي البديل عنه دون أن يفوضها أحد ذلك.

الوعي النسائي الروائي استطاع أن يتمثل هذا الواقع، ويدرك حجم المرارة والخيبة التي باتت تواجهها المرأة العربية بعد فشل المشاريع السياسية والايديولوجية لتلك القوى الثورية واليسارية، ففي حوارات بطلتي رواية عباد الشمس للروائية الفلسطينية سحر خليفة ينضح خطاب بطلة الرواية، الشخصية المثقفة الذي توجهه لصديقتها بالمرارة والشعور الفادح الخيبة بسبب الازدواجية والتناقض اللذين انطوت عليهما شخصية الرجل وممارسته داخل تلك الأحزاب والقوى التقدمية، عندما خرج هو إلى نور الحرية والسلطة، وترك المرأة في غياهب ظلمات واقعها بعد أن كان يعدها بالحرية والمساواة في مرحلة النضال، عندما كان يحتاج إلى مشاركتها.

بطلة رواية مريم الحكاية للروائية اللبنانية علوية صبح والتي تكثف فيها صورة الواقع اللبناني خلال الحرب الأهلية تعبر هي الأخرى عن هذه المآلات الصادمة والغريبة التي انتهى إليها الواقع المهزوم، الذي انهزمت فيها المرأة مرتين، مرة عندما خانها الرجل وخدعها بشعارات الحرية والمساواة، ومرة أخرى عندما انهزم الواقع وتشظى لتجد المرأة نفسها أسيرة انعكاسات هذا الواقع المتشظي والمهزوم عليها، الأمر الذي يجعل بطلة الرواية تصرخ بمرارة وأسى (ماذا أقاوم لأقاوم؟ كنت أشعر أني أقاوم قبيلة في رجل واحد).

إذا ليست المشكلة في الشعار وإنما هي في الذهنية المستحكمة للرجل ما يجعل تحرير المرأة يستدعي أولا وقبل كل شيء تحرير الرجل من هذه الذهنية لكي يعترف بالمرأة كشريك مكافئ له في القيمة والوجود وليس كمكل له. بطلة الرواية تعترف بمسؤولية المرأة وفشلها في انتزاع حقوقها من الرجل( بس نحنا النسوان كأنا ما عملنا شي من أول هالقرن لهلاّ. معقول نرجع نفيق تحت هالحجاب عقارب مخبايه بجسمنا صرلا مخبايه تحته وعم تعقص (تلسع) فيه؟).

هذه الغيبوبة التي دخلتها المرأة بعد فشل مشاريع التحديث والثورة المزعومة في المجتمعات العربية تعيدها الكاتبة إلى أصلها، فعندما خرجت المرأة العربية تطالب بحقوقها السياسية والاجتماعية لم تنتظر الأحزاب والقوى السياسية التقدمية لكي تدفعها للخروج إلى الشارع للمطالبة بهذه الحقوق، وعندما استطاعت أن تنتزع بعض تلك الحقوق كان ذلك بفضل نضالاتها وإصرارها على نيل تلك الحقوق، ولذلك لابد من استعادة المجتمع المدني لدوره من جديد.

ولابد للمرأة أن تتمرد على هذا الواقع وترفض الانتظار مرة أخرى حتى تنتصر الثورة، كما حدث في الماضي، لأنه سيكون عليها مرة أخرى أن تستعيد تاريخ هزيمتها وخيبتها في تحقيق ما تصبو إليه من حرية ومشاركة فاعلة وحقيقية في بناء المجتمع و قيادة تحولاته الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية.

قضية تحرير المرأة هي جزء من مشروع تحرير الواقع العربي والذهنية العربية والثقافة العربية من كل ما يعيق حركتها وتطورها وانفتاحها على العصر والاسهام في إغنائه، وهي عملية تحتاج إلى وجود حامل اجتماعي يقود تلك العملية، ومناخ من الحرية والمشاركة الكاملة من جميع القوى وفي طليعتها قوى المجتمع المدني لتحقيق هذه الأهداف والوصول إلى منظومة قيم ومفاهيم تؤسس لعلاقات الشراكة والتكافؤ بين المرأة والرجل.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر