الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

معايير صناعة الحاكم في العراق

في العراق يصنع الحاكم داخل معمل لا تتوفر فيه أدوات مدنية متناسقة حيث يختلط العشائري بالديني المذهبي والطائفي.

العرب د. ماجد أحمد السامرائي [نُشر في 2014/05/19، العدد: 9563، ص(8)]

الزعامة السياسية لا تصنعها صناديق الاقتراع عبر مسار اللعبة الديمقراطية، بل تصنعها جماهير الشعب ومثقفوه ومبدعوه بطريقة مباشرة كنتاج حقيقي لإرادتها. هكذا دخل الزعماء الثوريون قصور الحكم وبوابات التاريخ في العالم. لم تكن هناك حاجة للوسيط «الصندوق» الذي أنتجته ديمقراطية الغرب الحديث، حيث يخضع الحاكم المرشح في معمل تتفاعل فيه الغايات والأهداف، وليس بالضرورة أن ينتج هذا المعمل زعيماً سياسياً، وإنما حاكماً. النمط الأول من الزعماء والحكام صنعتهم الشرعية الثورية التي تنحسر هذه الأيام، مع إنها تبرز بأشكال وطرق أخرى حين يظهر من بين الصفوف من يكسر لعبة الأحزاب الكبيرة المهيمنة ويفوز بالانتخابات.

في العراق يصنع الحاكم منذ أحد عشر عاماً داخل معمل لا تتوفر فيه أدوات مدنية متناسقة حيث يختلط العشائري بالديني المذهبي والطائفي، وتنعدم مقاييس الفشل والنجاح، وتتصارع المرجعيات السياسية والدينية لدرجة اختلاط الصورة حول الحاكم المطلوب. هل هو سياسي لديه أبجديات المشروع السياسي، أم هو ذو ولاء ديني مذهبي أو عرقي، شيعي أم سني أم كردي، ويتم طرح هذه العجينة على الجمهور وعليه أن يختار الحاكم، في أضيق فرص الاختيار مما يضيف عبئاً جديداً على يوميات حياته، ويغرق في موجات متلاطمة من التفاصيل لدرجة يصبح الاختيار هو حاصل الإعياء والاحباط، وليس رغبة جماعية حقيقية. وهذه الحالة التي يمر بها العراقيون في هذه المرحلة من حياتهم هي التي تتحكم في صناعة الحاكم منذ ترسيم الاحتلال للنظام السياسي قبل أحد عشر عاماً وفق دستور رحبت به ودعمته وصادقت عليه جميع القوى التي شكلت معمار العملية السياسية في العراق، رغم ما يسمع من بعضها من انتقادات هنا وهناك لتفصيلات لم تعد تلبي الرغبات المستجدة والحاجات الجديدة لأطرافها.

فالدستور صنع لأن يكون ملاذاً حين تحصل إشكاليات في العقد الاجتماعي بين المواطن والدولة، وليس ليكون قادح تفجير الأزمات في البلد، وهذه ليست نظرية افتراضية، وإنما حالة واقعية يعانيها السياسيون في مطبخ الحكم أنفسهم قبل الجمهور العراقي المغلوب على أمره. قد يقول من يريد التبرير لهذه الحالة الشاذة في الحكم وهم كثر في مقدمتهم المستفيدون منها، بأن التجربة الديمقراطية ناشئة في العراق، وتحتاج إلى زمن طويل لكي تأخذ مسارها الصحيح، ولكن هذا الادعاء غير صحيح، لأن أسس بناء النظام السياسي في العراق تكّرست يوماً بعد يوم وفق المحاصصة الطائفية وأحكامها، لتتحول إلى أعراف وتقاليد تحتاج إلى هزات سياسية وثورات شعبية لإزاحتها.

وهناك أمثلة لظواهر خطيرة في مسيرة الحياة السياسية لم يتوقف عندها المفكرون والمثقفون العراقيون الصامتون لكون بعضهم مستفيد من علاقاتهم العامة، وهي التي تفرز كل ما يشاهده المواطن العراقي من صراعات خصوصاً في الفترة الحالية قبيل فرز نتائج الانتخابات، لكي تصبح داخل أطراف المكونات الطائفية ذاتها، وهناك أمثلة واضحة تؤكد على التمسك والإصرار على منهج صناعة الحاكم في العراق بأسس طائفية حصلت في الدورة السابقة للانتخابات والدورة الحالية.

فعلى الرغم من أن الدستور لم يسّطر في أحكامه بأن تكون الحكومة قائمة على المحاصصة الطائفية بين الكتل الطائفية والعرقية، لكن حين فازت “القائمة العراقية” عام 2010، وهي بامتياز كتلة لا طائفية، لم يفوّض إياد علاوي بتشكيل الحكومة، ليس لعدم الثقة به وبانتمائه المذهبي وهو “شيعي” ولكن لأن هذه النتيجة كانت بداية لرسم مسار جديد لأسس بناء الحكم في العراق ينقله إلى عالم الديمقراطيات المدنية الراسخة، تنتهي خلالها عوامل الاحتقان السياسي والاجتماعي التي ولدتها للأسف وصفة “المحاصصة”. لقد أجهضت نقطة التحول هذه بإرادات محلية وخارجية إقليمية ودولية، ولم يسمح لها لكي تعاود التجربة مرة أخرى عام 2014، وتم تفتيت المرتكزات الانتخابية التي تقوم عليها بأساليب ومناورات ليست هيّنة.

المثال الآخر والذي يشكل علامة من علامات ترسيخ الحكم الطائفي في العراق، هو صيغة الأغلبية والأقلية، حيث لم يقل الدستور باستحقاق طائفة ذات أغلبية عددية على أخرى أقل منها، لسبب بسيط هو أن التركيب الديمغرافي للمجتمع العراقي لم يتم على أساس انتماء الفرد المذهبي، وحتى الإحصائيات السكانية منذ نشوء الدولة العراقية الحديثة لم تحدد وفق ذلك.

إلا أن هيمنة الأحزاب الدينية هي التي وضعت هذا التقليد بناء على التحالف الاستراتيجي “الشيعي الكردي”، وتحولت هذه الحالة إلى “استحقاق” سياسي وفق مبدأ الشراكة الذي تم نسفه في أكثر من مرة خلال السنوات الأربع الأخيرة، كما أن رئيس الوزراء “الشيعي” دعا في خطابه الإعلامي إلى الانتقال إلى “الأغلبية السياسية” في تشكيل الحكومة المنتخبة، وهو شعار لاقى معارضة من أركان البيت السياسي الشيعي نفسه، إلى جانب الصراع الذي يدور حالياً داخل منظومة هذا البيت لغرض استبعاد المالكي من الحكم، وفق مسلمات تلك القوى القائلة بأن الحكم في العراق “للأحزاب الشيعية”، وقيادات هذه الأحزاب والكتل هي التي تحدد وفق نظامهم الداخلي طبيعة الحاكم ومواصفاته وشروط معايير الحكم. أي أن رئيس الوزراء يجب أن يخضع وفق هذه النظرية لما يسمى “مؤسسة التحالف الوطني الشيعي” وهي مرجعية الحكم في العراق، التي تعتقد بأن “المالكي” قد تمّرد عليها.

إن هذا التطور لم يلحظه القادة السياسيون في العراق المنشغلون بمصالحهم الخاصة. مع أن هذه الحالة التي تدور خلف الكواليس تتطلب أن تتحول إلى قضية رأي عام سياسي لها علاقة بمستقبل العراق وبوثيقة الدستور المهلهل، إلا إذا قالوا بأنها شأن داخلي يهمّ الكتل السياسية الشيعية دون غيرها. مع ذلك فإن الحالة تشير إلى أن التحالفات ما زالت تبنى وفق المنظور الطائفي وليس السياسي.

المثال الآخر الذي يدخل بذات السياق هو أن الدستور العراقي لعام 2005 لم يقرر طريقة توزيع مناصب الرئاسات الثلاث وفق المرجعيات الطائفية والقومية (رئيس الوزراء- رئيس البرلمان- رئيس الجمهورية) لكن نجد أن هناك تقليداً صنعه سيئ الذكر الحاكم الأميركي بريمر وأعجب به المتحمسون للتقسيم الطائفي لأنه يوفر لهم امتيازات خيالية في الاستئثار بالسلطة، حيث تكون حصة رئيس الوزراء (للكتلة الشيعية) ومنصب رئيس البرلمان (للكتلة العربية السنية) ومنصب رئيس الجمهورية (للكتلة الكردية) إلى درجة أن أصبحت هذه المسألة إحدى نقاط الاختلاف في توزيع الحكم عقب كل دورة انتخابية ومن بينها هذه الدورة.

هذه الظواهر والأمثلة وغيرها هي وراء أزمات السلطة ومشاكل البلاد الأمنية والخدمية. إن لم تتبدل معايير ومقاييس صناعة الحاكم في العراق، فالعراقيون سيظلون ينزفون دماً ومشاكل لا حدود لها.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر