السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

راحوا

اليوم يشهد لبنان حملة عنصرية ضارية ضد اللاجئين السوريين الذين عبروا الحدود هرباً من القصف والاعتقال والاغتصاب.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2014/05/23، العدد: 9567، ص(24)]

في المدن العربية يمكنك أن تسمع الكثير من القصص القصيرة الساخرة التي يبتكرها الناس حول أنفسهم، ليعكسوا من خلالها المزاج الشعبي السائد وتحوّلاته، من أعراض ذلك ما يمكن أن تسمعه في بيروت عن اللبناني الذي يرى المستقبل بصورة مختلفة عن الآخرين، كما في قصة البيروتي الذي كان يحمل طبقا من البيض، ويمشي في “شارع الحمرا”، فرأى فجأة قشرة موز ملقاة جانبا على بعد عشرة أمتار منه، فقال لنفسه: “يا حبيبي.. راحوا البيضات”، وكأنه متأكدٌ من ذهابه إلى قشرة الموز عامدا متعمدا ليزلق بها.

وفي الرياض روي أن هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ألقت القبض على ثلاثة شبان وهم سكارى، ألماني وسوري ولبناني، فحكم القاضي الشرعيّ بجلدِ كلٍّ منهم سبعين جلدة.

وعرض الجلادُ عليهم أن يتمنى كلُّ واحد منهم أمنية ليلبّيها له، فقال الألماني ببراءة: “أرجو أَن تربطَ إلى ظهري وسادةً قبلَ الجلدِ حتى يخفّ الألم”، فاستجاب الجلاد له ولكن الوسادة تمزّقت عند الجلدة العاشرة، فاهترأ ظهر الألماني من السياط، فقال السوريُّ: “أمّا أنا فأُمنيتي أَن تربطَ وسادتين إلى ظهري”، ولكن الوسادتين تمزّقتا بعد الجلدة الخامسة عشرة، فأخذ يصرخ من الألم، فقال اللبناني: “أنا عندي أُمنيتان، الأولى أَن تجلدَني مئة جلدةٍ بدلا عن سبعين، ثم تبسّم وتابع: أمّا أمنيتي الثانية فهي أَنْ تربطَ السّوري إلى ظهري بدلا عن الوسادة”.

والعقل الجمعي الذي اخترع تلك الحادثة ـ الطرفة، لا يخلو من مكرٍ تاريخي، يستند إلى عصر من الألم عاناه اللبنانيون بسبب احتلال الجيش والمخابرات السورية للبنان والسيطرة عليه وسرقة قراره السياسي، واليوم يشهد لبنان حملة عنصرية ضارية ضد اللاجئين السوريين الذين عبروا الحدود هرباً من القصف والاعتقال والاغتصاب لائذين بإخوتهم في البلد القريب، تطالب بطرد هؤلاء النازحين، وعدم استقبال أطفالهم في المدارس.

واجهت تلك الحملة العنصرية حملات مضادة من شرفاء لبنانيين، عبّروا عن رفضهم لذلك النفس غير الوفي وغير الأخلاقي، والذي كان آخرَ تجلياته تسريبٌ مصوّر يظهر تعذيب الجيش اللبناني للاجئين سوريين معصوبي الأعين، يسخر فيه الضباط اللبنانيون من آلام السوريين المقيدين العاجزين عن الرد. ورفعت لافتة كبيرة مفجعة في حي برج حمود في بيروت تقول: “تحيط بلدية برج حمود المقيمين الأجانب السوريين علماً أنه يمنع تجولهم من الساعة الثامنة مساء إلى غاية السادسة صباحا”.

في العام 2006، شنّت إسرائيل حرباً مفتوحة على لبنان، أدّت إلى نزوح قرابة المليون لبناني غالبيتهم من الشيعة إلى الأراضي والمدن السورية، في دمشق وريفها وحمص وحماة وحلب وسواها، أخلى السوريون من أهالي تلك المناطق بيوتهم لهم، وبعد زمن مضى كان يقول فيه الشاعر اللبناني الكبير سعيد عقل: “شآمُ أهلوكِ إذا هُمْ على نُوَبٍ …قلبي على نُوَبِ ” يريد أهل المشرق اليوم للنازحين السوريين أن يبقوا موتى في مقبرتهم الداخلية، دون أن يزعجوا دول الجوار التي تعيش ضياعاً وتخبّطاً أخلاقياً وسياسياً ووطنياً وقومياً، فقد عاش في سوريا بعد احتلال العراق على يد الأميركان في العام 2003، أكثر من مليوني عراقي معزّزين مكرّمين حتى عام 2011، وكما في بيروت كما في الموصل التي قيل لأحد أبنائها ذات يوم “تبرّع لبناء سور للمقبرة” فقال بسرعة: “ليش؟ ما سمعنه فَدْ يومْ ميّتْ انهزمْ” أي “هرب”.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر