الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

المزاج الشعبي: التفويض ليس أبديا

جرت فذلكة التاريخ ألا تمنح الشعوب حبا أبديا لأحد، وأن تكون صاحبة الحق في نزع تفويض سبق أن أعطته بحسن نية لآخر، في سياق مختلف.

العرب سعد القرش [نُشر في 2014/05/24، العدد: 9568، ص(8)]

كان تشرشل زعيما استثنائيا، حتى أن لجنة نوبل منحته جائزتها للآداب، وإلى اليوم تضعه الاستفتاءات الشعبية في صدارة أبرز الشخصيات في التاريخ البريطاني، بعد أن توج بالانتصار في الحرب العالمية الثانية. ولكن الشعب بعد انتهاء الحرب كان مزاجه قد تغير، ورأى أن بطل الحرب، ليس بالضرورة أهلا لخوض معركة البناء، فكانت هزيمة حزب المحافظين عام 1945.

ديجول أيضا، القائد الرمز، فاجأته مظاهرات 1968، فأخذته نشوة قيادته لتحرير فرنسا من النازي بالإثم، وزايد على المحتجين بإجراء استفتاء على جملة إصلاحات، وأعلن أنه سيتنحى عن الحكم إذا لم ينل نسبة كبيرة، وكان للمزاج الشعبي الجديد رأي آخر، ولم يشفع لديجول ماضيه، ونال 47 بالمئة، وانسحب بهدوء. أستدعي ذلك، وأنظر في تقلبات المزاج المصري، منذ مصطفى النحاس إلى عبدالفتاح السيسي وحمدين صباحي.

حين بلغ جمال عبدالناصر عامه الأول، كان مصطفى النحاس زميلا لسعد زغلول، ومن أبرز وجوه ثورة 1919. كان النحاس قاضيا وفصل من عمله، وأصبح سكرتيرا للوفد. وفي عام 1936 ومن موقعه رئيسا للوزراء عقد مع الاحتلال البريطاني معاهدة “الصداقة والتحالف”، وأصبحت مصر عضوا في عصبة الأمم. أتاحت معاهدة 1936 لأبناء الفقراء والطبقة الوسطى، للمرة الأولى، فرصة الالتحاق بالجيش، وفي الدفعة الأولى كان عبدالناصر ورفاقه الذين تمكنوا من إنهاء حكم أسرة محمد علي في يوليو 1952.

كان النحاس سياسيا عنيدا، يحظى بدعم شعبي يمنحه قوة في مواجهة الملك، وحقق انتصارا مهما بمنع إقامة احتفال ديني لتتويج الملك فاروق. كان الأمير محمد علي قد خطط لاحتفال يقف فيه الملك الشاب مجيبا عن أسئلة شيخ الأزهر، ثم يقسم اليمين فيقدم إليه شيخ الأزهر سيف محمد علي. رفض النحاس هذا الطقس انطلاقا من ليبرالية حزب الوفد التي تفصل الدين عن الدولة. واجه النحاس نفاق الصحافة المؤيدة لحفل التنصيب الديني وانتصر. كانت المرة الأولى التي يتم فيها تنصيب الحاكم في ظل دستور مصري.

النحاس واجه القصر والملك وتنظيم الإخوان معا. ففي عام 1937 طالب بالحد من الصلاحيات غير الدستورية للملك، وخرجت الجماهير تهتف: «الشعب مع النحاس»، فهتف الإخوان المسلمون: “الله مع الملك”. وفي 30 ديسمبر 1937 أقال الملك وزارة النحاس فلم يدع أنصاره، وهم أغلبية كاسحة، إلى العصيان المدني أو احتلال الميادين بالأسلحة اعتراضا على الإرادة الشعبية وانتصارا للشرعية. كان النحاس سياسيا حكيما يدرك أنه سيفوز في أي انتخابات قادمة. (في انتخابات 1924 فاز حزب الوفد بقيادة سعد زغلول بأغلبية تزيد على 90 بالمئة، ولكنه سارع إلى تقديم استقالته بعد اغتيال السير لي ستاك. كان سعد حكيما، فاستقال ثم عاد إلى الحكم قبل أقل من عامين).

في عام 1950 تولى النحاس تشكيل الوزارة، وفي فبراير 1951، أعلن النحاس عن مشروع جديد لإسكان الفقراء، وفي 8 أكتوبر 1951 وقف النحاس على منصة مجلس النواب، واستعرض تعنّت الاحتلال في مفاوضات الجلاء عن مصر، وقال إننا لسنا الشعب الذي يكره على ما لا يرضاه، أو يسكت عن حقه في الحياة. “وإني لعلى يقين من أن هذه الأمة الخالدة ستعرف كيف ترتفع إلى مستوى الموقف الخطير الذي تواجهه، متذرعة له بالصبر والإيمان والكفاح وبذل أكرم التضحيات في سبيل مطلبها الأسمى. يا حضرات الشيوخ والنواب المحترمين: من أجل مصر وقّعت المعاهدة سنة 1936، ومن أجل مصر أطالبكم اليوم بإلغائها”.

النحاس فاجأ بريطانيا، ووضع الملك أمام أمر واقع، فوافق الملك على إلغاء المعاهدة بعد أن كان يرفض التوقيع. ونشطت كتائب الفدائيين في منطقة قناة السويس، واشتعل الكفاح المسلح ضد الجنود البريطانيين، وبلغ ذروته يوم 25 يناير 1952، وهددت الحكومة بقطع العلاقات مع بريطانيا التي تعد “حالة حرب”، وفي السبت الأسود 26 يناير 1952، أنقذ حريق القاهرة الملك فاروق. وفي اليوم التالي أعلنت الأحكام العرفية، وأقال الملك حكومة النحاس الذي خرج بطلا شعبيا.

في ذلك الصيف الساخن، 1952، كان النحاس في عطلة صيف في سويسرا، وكان المزاج الشعبي قد تغير تماما في أقل من ستة أشهر. بعد حركة الضباط الأحرار بثلاثة أيام غادر الملك مصر في 26 يوليو 1952، وفي 18 يناير 1953 ألغي النظام الملكي وأعلن النظام الجمهوري، وفي 19 أكتوبر 1954 وقع البكباشي (المقدم) عبدالناصر اتفاقية الجلاء، وتسارعت القفزات التي كان من شأنها أن تنهك رجلا في سن النحاس باشا. من مشروع السد العالي وصفقة الأسلحة السوفيتية، إلى تأميم قناة السويس 1956.

كان المزاج الشعبي قد تغير، تجاوز الإصلاح إلى “الثورة”. لم يكن أحد يعرف من وجوه “الثورة” إلا اثنين، رمزها اللواء محمد نجيب وأنور السادات. كان عبدالناصر مجهولا لا تعرف الجماهير ملامحه. وحين ذهب النحاس من المطار لتهنئة الضباط فجر 28 يوليو، بدا أكثر سعادة بعزل الملك الذي طالما اضطهد حكومة الوفد. ظن الزعيم أن الضباط الشباب سيتركون الحكم لأهل السياسة. لم يتح له فارق التوقيت الثوري أن يدرك تغير المزاج الشعبي، وبعث روح جديدة في جسد شباب لديهم الحلم والقدرة على ملاحقة تسارع أحداث ترهق قلوب المسنين.

جرت فذلكة التاريخ ألا تمنح الشعوب حبا أبديا لأحد، وأن تكون صاحبة الحق في نزع تفويض سبق أن أعطته بحسن نية لآخر، في سياق مختلف. في مساء جمعة الغضب، 28 يناير 2011، كان يمكن أن يكون وزير الدفاع حسين طنطاوي بطلا، وظل كذلك لما بعد خلع مبارك، ولكن المزاج تغير في الشهر التالي، بعد تجاوزات بعض الضباط في 9 مارس، و8 أبريل، وما تلى ذلك من وقائع وكوارث سحبت الرصيد الشعبي إلى المجلس الأعلى للقوات الملسحة، فكان الشعار: “دكتاتور دكتاتور.. يا طنطاوي عليك الدور”.

وفي انتخابات 2012 كان حمدين صباحي “واحد مننا”، ليس لديه دعم “شعبوي” طائفي يتمتع به محمد مرسي، ولا دعم المال السياسي الذي أنفق ببذخ على أحمد شفيق. ولو امتد عمر الحملة الانتخابية أسبوعا واحدا لفاز حمدين باعتباره من رموز ثورة 25 يناير. ثم جاء طوفان 30 يونيو. لو تمكن الإخوان وأنصارهم من الجماعات الإرهابية من إيقاف تدفق نهر 30 يونيو والعودة إلى الحكم، لحوكم السيسي بالخيانة العظمى، وتصل عقوبتها إلى الإعدام، وهو نفسه مصير ضباط 23 يوليو لو نزل الشعب يهتف بحياة الملك فاروق. لو فشل 30 يونيو لظل حمدين عضوا فاعلا في جبهة الإنقاذ، وزعيما للتيار الشعبي الذي أسسه لمواجهة حكم الإخوان.. وكفى!

المزاج الشعبي يتجه بقوة نحو السيسي. مزاج مشروط وليس أبديا، فليس لأحد فضل على شعب أنقذ الجيش والسيسي، بالخروج الكبير في 26 يوليو 2013، وينتظر الإجابة عن سؤال الثورة والدولة والمستقبل.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر