السبت 16 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10844

السبت 16 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10844

الشوكلة

ترى الدول التي يحكمها الاستبداد أن مهمة الصحافة 'السمع والطاعة' والتبجيل والتقدير والذم والطعن حسب اتجاه دفة الحاكم.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2014/05/30، العدد: 9574، ص(24)]

يختلف كثيرون في فهم دور الصحافة في المجتمع والأحداث، فبعضهم يعتبر أن مهمتها عكس الواقع كمرآة لا أكثر، والبعض يرى أن من أدوارها تحريك الركود بالكشف عن خفايا ذلك الواقع دون التدخّل في أي من مواقف صنّاعه، بحيث تحافظ الصحف على الحياد “الموضوعي”، ولكن الحياد الموضوعي سرعان ما اتضح أنه مجرد وهم مهني لا يمكن تحقيقه، وهذا ما يراه قسم ثالثٌ من العاملين في الصحافة، فيعتبرونها صانعاً شريكا للواقع ومحرّكاً أساسيا لعجلاته.

وترى الدول التي يحكمها الاستبداد أن مهمة الصحافة “السمع والطاعة” والتبجيل والتقدير والذم والطعن حسب اتجاه دفة الحاكم، ولهذا أصبح من الصعب المرور بين كل تلك المعايير لخلق صحافة ذات موقف قادرة على الاستمرار والحياة والتطوّر دون عثرات.

وكان من أصعب مواقف الصحافة تلك التي كابدها من أرادوا قول ما لا يمكن قوله في ثنايا الكلمات، كما فعلت مجلة الدبور التي كانت تصدر في دمشق أيام الانتداب الفرنسي على سوريا، فقد نشرت رسما كاريكاتورياً يظهر كلبا يضربه أبو خليل وهو شخصية شعبية وهمية، وكتبت تحت الرسم بالخط العريض: “اضرب الكلب كيلا ينبح”، وكان المندوب السامي الفرنسي حينها في سوريا ولبنان المسيو “دو كيلا” ، ما تسبّب في جلب المجلة ومحرريها إلى القضاء، حيث ترافع للدفاع عنها كبار محامي دمشق وبيروت، ودارت فيها مناقشات لغوية فاتنة، لنفي تلك التهمة كما فهمها الفرنسيون.

وأثبت المحامون المخضرمون أن الكلب إذا ضربته ينبح، ودارت مناقشات مستفيضة أمام المحكمة بين الفرنسيين والسوريين حول ما إذا كان الكلب ينبح إذا ضربته، أم تضربه حتى لا ينبح، ثم هل تكتب كلمة واحدة: “كيلا” أم يجب أن تكتب متفرقة ” كي.. لا” واستنجد الفريقان بفقهاء النحو والإملاء، وجاؤوا بعلماء من مجمع اللغة العربية، وشهدوا وكتبوا، حتى سحبت الحكومة الفرنسية القضية “كيلا ” تتسبب في سخرية الشعوب من فرنسا ومبادئ ثورتها.

ولا ينبغي للصحافة أن تقف عند حدود، فالحرية فعل إبداعي، وليست حركة هندسية، حتى أن مجلة بيفر الأميركية كتبت مانشيتاً ثابتاً جاء فيه: “قد يلاحظ القارئ بعض الأخطاء المطبعية، فليعلم أنها مقصودة حتى نرضي جميع الأطراف”.

أما عن التغيير المقصود في الكلمات فلم يقتصر على الصحافة وحدها، فقد تجاوز هذا إلى ما سمّي بـ”التصحيف” في النصوص الدينية ذاتها، ولا يعرف إن كان هذا مقصوداً أم مجرد سهو، كصاحب أبي حيان التوحيدي، الذي عاداه عندما صوَّب له الحديث النبوي الذي استَشهد به هكذا: “اعْقِرْها وتوكل” بدلاً عن “اعقلها وتوكّل” ومن تصحيف المحدّثين والرواة نعثر على من كان يحدّث بسند صحيح عن “ابن شيرين” وليس “ابن سيرين”.

وقال أبو العيناء: “كتب رجل إلى صديق له: (عافانا الله وإياك من الشرِّ كله)، فقرأ الأخير الكلام حسب خط المرسل: (من الشوْكلة) فكتب إليه: (ما أعرفُ “الشوْكلة” في العلل والأمراض فعرّفني).

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر