الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

جماهيرية القصيدة

هل كانت القصيدة الجديدة منذ تحولاتها في الأربعينات جماهيرية بالمعنى الذي درجت عليه التسمية.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2014/05/31، العدد: 9575، ص(17)]

يكثر الحديث عن تراجع حضور الشعر في الحياة الثقافية العربية، ويدللون على ذلك بمحدودية عدد القراء من خلال حجم مبيعات الدوواين المتواضع جدا، وغياب الاهتمام النقدي بدراسة الشعر وتحولات القصيدة الجديدة وجمالياتها وعلاقتها بالمتلقي.

ولعل المفارق في هذا المشهد أنه بينما تواصل القصيدة الجديدة مغامرة البحث والتجريب استشرافا لأفق كتابة جديدة، تغاير السائد وتجترح لغتها وبلاغتها الخاصة، نجد بالمقابل ثمة انزياحا للشعر عن جملة من المقولات النقدية والفكرية، التي حكمت المشهد الشعري وتجارب أجيال عديدة من شعراء الحداثة، وتجاوزتها إلى علاقة الشعر بالقارئ وذلك منذ منتصف الأربعينات وحتى الآن، وفي طليعة هذه المقولات مقولة الالتزام أو الوظيفة الاجتماعية للقصيدة.

هذا التحول قاد إلى نوع من الافتراق بين القصيدة والسياسي والأيديولوجي الذي كان يفرض همينته عليها ويوجه رؤاها ومساراتها. لم يكن هذا الارتباط بين القصيدة والسياسة بعيدا عن تأثير التحولات الاجتماعية التي كانت تحولات القصيدة الجديدة منذ منتصف الأربعينات من القرن الماضي تعبيرا عنها، وقد ظهر ذلك من خلال الالتزام السياسي والأيديولوجي لأغلب شعراء تلك المرحلة، وانخراطهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة في المشاريع السياسية التي كانت تقود الحراك المجتمعي والسياسي في تلك المرحلة؛ ماركسية كانت أم قومية. وعندما أظهرت تلك القوى فشلها في تحقيق وعودها وقيادة عملية التغيير في الواقع، وجدنا أن ثمة تحولا قد بدأ يتشكل في بنية القصيدة وبلاغتها ووظيفتها، حررها من النزوع الجمعي والوظيفة التبشيرية، واتجه بها نحو الاقتراب الحميم من الذات المتشظية، فغدت بذلك صوتها ومغامرتها الجمالية والوجودية وتعبيرها عن شعورها الفادح بغربتها وقلقها الإنساني في واقع بات يعيد طرح أسئلته الأولى، ويكشف عن مأزق الذات ومحاولة تمردها على وجودها الأعزل، في عالم تزداد فيه غربة الإنسان ويزداد قلقه وحيرته، وبالتالي بحثه عن معادل جمالي يحقق من خلاله شيئا من التوازن في هذه العلاقة المختلة.

مع هذا التحول كان من الطبيعي أن تتخلى القصيدة عن رسوليتها وأن يتخلى الشاعر عن أدواته وبلاغة لغته السابقة، وأن يترك للمخيلة الشعرية حرية الكشف والابتداع المنزه عن أغراض مسبقة. لكن السؤال: هل كانت القصيدة الجديدة منذ تحولاتها في الأربعينات جماهيرية بالمعنى الذي درجت عليه التسمية؟ بالتأكيد إن عوامل سياسية وأيديولوجية وقفت وراء انتشارها النسبي، لكنها لم تكن من حيث القراءة عموما أفضل كثيرا مما هي عليه الآن.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر