السبت 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10823

السبت 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10823

أبل تعلن الحرب على غوغل

بعض الحروب مستحبة بل ضرورة ملحة من أجل تطوير تكنولوجيا أقرب لاحتياجات الناس.

العرب إياد بركات [نُشر في 2014/06/08، العدد: 9583، ص(18)]

يمثل الخطاب السنوي لشركة أبِل (Apple) اثناء المؤتمر السنوي (WWDC) الذي تنظمه في ولاية كاليفورنيا الأمريكية حدثا مهما، لما له من تبعات على مستقبل التكنولوجيا والاقتصاد، وفرصة لمحاولة استقراء "خطط حرب" هذه الشركة العملاقة المعروفة بقدرتها على إدارة الصراعات مع خصومها ومنافسيها بذكاء قلّ نظيره. يمثل هذا الحدث السنوي للمطورين والمهتمين بالتكنولوجيا والاقتصاد والمستقبليين ما يمثله خطاب الرئيس الأمريكي السنوي State of the Union بالنسبة للمهتمين بالأمور السياسة والدبلوماسية.

خطاب تيم كوك، الرئيس التنفيذي لشركة أبل، يوم الاثنين الماضي قد يبدو للوهلة الأولى عادياً، خصوصا أنه لم يتطرق لأي تطورات كبيرة في أجهزة أبل، واقتصر على البرمجيات وأنظمة التشغيل، إلا أنه بالنسبة للخبراء والقارئين بين السطور تضّمَن إعلان حرب على غوغل وفتح عدة جبهات معها، وكشف عن استراتيجيات حرب تعيد للأذهان تلك الحرب الكبرى والطويلة التي دارت بين أبل ومايكروسوفت، وتمكنت أبل من الانتصار باتباع استراتيجية عبقرية ستبقى تبهر المختصين لعقود قادمة.

في تسعينيات القرن الماضي كانت أبل تواجه الانقراض، وعلى وشك الموت! بعد سنوات من الوهم الزائف بانها حققت التفوق التكنولوجي المطلوب وبأنها قطعت بر الأمان في معركتها مع مايكروسوفت، إلا ان الأمور كانت تسير عكس ذلك! فقامت على عجل باعادة ستيفن غوب (احد المؤسسين للشركة المعروف بخبرته الطويلة في مقارعة بيل غيتس ومايكروسوفت) عام 1997 قام غوبس ببيع جزء من أبل لمايكروسوفت، صحيح انه بذلك كسب استثمار 150 مليون دولار من مايكروسوفت لشركة ابل، إلا أن الأهم من ذلك تمكنه من تنويم منافسه الشرس بيل غيتس واعطائه إحساسا لحظيا بالانتصار، والإحساس الزائف بالأمان، ما مكن ستيف غوبس من إعادة التقاط الأنفاس، وإعادة هيكلة الشركة وتطوير أجهزتها، خصوصا الآي فون الذي يعتبر بمثابة الضربة التكنولوجية القاضية ضد مايكروسوفت وهاتف ويندوز الذي عملت مايكروسوفت على تطويره لعقود طويلة.

منذ تلك الحرب الكبرى بين أبل ومايكروسوفت لم تشهد الساحات التقنية حروبا بذلك الحجم حتى الآن، ولكن المتابعين يعرفون ان هناك صداماً مدويا قادما لا محالة، وحربا قد بدأت، وإن كانت تدور رحاها على نار هادئة بين عملاقين، هما غوغل وأبل. ومثل أبل غوغل ايضا خاضت معارك ومنافسة قوية وحققت انتصارات ضد مايكروسوفت وتمكنت من تحقيق حضور طاغ على جغرافيا التكنولوجيا والمستقبل التكنولوجي للبشرية. مشهد المبارزة بين غوغل وأبل خلال السنوات الماضية كان عبارة عن منافسين عملاقين يعاينان بعضهما بعضا بدون الاشتباك المباشر، وان لم يخل الأمر من بعض المناوشات الخفيفة، مثل قيام أبل بسحب خرائط غوغل من الآي فون واستبدالها بخرائطها الخاصة، ومنافسة قوية ما زالت مستمرة بين متصفحي سفاري لأبل وكروم لغوغل، لكن خطاب الرئيس

التنفيذي لأبل هذا العام أعطى المتابعين خطط التموضع لشركة أبل مقابل غوغل، وأُسس لقواعد الاشتباك القادم على عدة جبهات، ما يجعل من أبل الأكثر حظا على فوز معركة قد تكون هي من حدّد شروط الفوز بها أصلاً.

خطوط المواجهة مع غوغل وباقي المنافسين التي رسمتها أبل بذكاء تتمحور حول أهم ثلاثة فضاءات للإنسان:

الجسم والصحة (الكيان الذاتي)، البيت (المحيط الخاص)، والرابط التكنولوجي (التواصل) بين الأجهزة الالكترونية الخاصة بالفرد. ولتحقيق التفوق في هذه الفضاءات الثلاثة، أعلنت أبل عن تطوير ثلاث منصات رئيسية تمكن أبل، المبرمجين والمطورين والشركات المتعاونه معها، من تطوير حلول فريدة تمكنهم من اكتساح ثلاثة أسواق مستقبلية مهمة.

منصة الصحة HealthKit التي سوف يحتويها نظام أبل الجديدiOS 8 SDK سوف تقدم منصة اتصال وتواصل موحدة بين جسم الإنسان والأجهزة المحمولة والتطبيقات الطبية والرياضية التي تعمل على أنظمة أبل، أيضا مع كماليات أخرى مثل ساعة أبل المتوقع إصدارها، وأحذية وملابس شركة نايكي على سبيل المثال. هذه المنصة لا تعتبر فقط مهمة بسبب الآفاق الآنية التي سوف تفتتحها لتطوير تطبيقات مهمة للاستخدامات الشخصية لعملاء أبل وأسواق وفرص كسب لها، والشركات التي تستخدم منصّاتها لتطوير منتوجات جديدة، لكنها موضع مهم جدا بالنسبة لأبل للمستقبل البعيد والمتوسط، حيث ستكون المنافسة على من يملك ويتحكم بطرق الاتصال والتواصل بين جسم الإنسان وخصوصا الدماغ والإنترنت. في هذا المجال من المرجح الآن أن أبل في المكان الصحيح لأنها بتقديم هذه المنصة تكون قد حلّت احدى المعضلات، ألا وهي "الإنترفيس" بين جسم الإنسان، والسوفتوير والهاردوير.

منصة البيت HomeKit لا تقل أهمية عن المنصة الأولى، وتحقق امتلاك أبل لقنوات التواصل ما بين الإنسان ورغباته واحتياجاته الشخصية وبيته والأجهزة التي يستخدمها، مثلاً معرفة إن كان باب البيت مفتوحا او مغلقا بإحكام اثناء العمل، أو إن كان هناك نقص في المواد الأساسية في المطبخ مثل القهوة وغيرها، أو هل هناك لص في البيت؟ هذه المنصة تتيح للمطورين استحداث تطبيقات وأجهزة واستخدامات جديدة للانسان في بيته ومحيطه الخاص، جميعها تمر عبر أجهزة ومنصة شركة أبل.

منصة الاستمرارية Continuity التي سوف تأتي مع نظام أجهزة كومبيوتر أبل الجديد OS X Yosemite سوف تحقق للمستخدم فرصة بدء عمل ما، على أحد أجهزة أبل وإكماله من حيث توقف على جهاز آخر. مثلا.. يمكنه

ان يبدأ كتابة بريد الكتروني على جهاز الكومبيوتر أو الايباد وبعد ساعة يكمل الكتابة من حيث انتهى على جهاز الآي فون بدون قلق او تخطيط مسبق، أيضا سوف يتمكن في حالة وصول مكالمة على هاتفه من أن يجيب عليها من جهاز الكومبيوتر وهكذا، أي أن هذه المنصة تحقق الاتصال المستمر والسلس بين مختلف أجهزة أبل والمستخدم.

في المستقبل سوف نلاحظ توحد أنظمة تشغيل مختلف أجهزة أبل من هواتف وأجهزة كومبيوتر في نظام واحد بسيط، وسوف نلاحظ وجود هذا النظام في أجهزة أخرى مثل الثلاجة أو السيارة او غيرها من الأجهزة التي يحتاجها الإنسان.

حتى الآن لا نعرف كيف سترد غوغل وغيرها من الشركات على أبل، وما هي الحلول التي سوف تقدمها للمنافسة، ولكن من المؤكد أن شركة أبل الآن عندها الريادة والفرص الأعلى في النجاح والفوز.

المنصات التي تحدثنا عنها تتعلق بأهم فضاءات الإنسان، خصوصية وأهمية الجسم، البيت والأجهزة الشخصية.

الشركة التي سوف تحقق الفوز يجب ان تقدم حلولا وتطبيقات وأجهزة عملية سلسة الاستخدام ذات أنظمة حماية عالية من الاختراق والفايروسات والتطبيقات الخبيثة.

لم يكن من منطلق الصدفة أن تيم كوك، رئيس مجلس إدارة أبل، تهكم على أنظمة آندرويد التي تقدمها آبل قائلاً أن 00% من التطبيقات الخبيثة Malware توجد حاليا في التطبيقات التي تعمل على نظام آندرويد.

أبل بعكس غوغل تملك الأجهزة ومنصات وأنظمة التشغيل والتطبيقات وتبقي عليها وصاية دقيقة لحمايتها لتقديم تجربة سلسة ممتعة للمستخدم ، وهذا ما لا تملكه غوغل حتى الآن، سيطرة أبل على هذه الحلقات الثلاث هو ما مكنها من التغلب على منافسها السابق مايكروسوفت، وما يضعها في المكان الصحيح للانتصار على غوغل.

خبير في الانترنت والاعلام الجديد

إياد بركات

:: مقالات أخرى لـ إياد بركات

إياد بركات

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر