الاحد 26 مارس/اذار 2017، العدد: 10583

الاحد 26 مارس/اذار 2017، العدد: 10583

القتل باسم الله: دراما دينية رائجة

التنظيم الخاص، 'الجهاز السري'، ميليشيا أسسها حسن البنا، ولم تستهدف بالقتل إلا مصريين. وتنص لائحة التنظيم على 'إعدام' من يتهم بالخيانة أو إفشاء أسرار ولو بحسن نية.

العرب سعد القرش [نُشر في 2014/06/11، العدد: 9586، ص(8)]

ليس من المروءة التطاول على ميّت أو سجين قليل الحيلة، ولكن من الواجب مراجعة أي فكر، لحيّ أو ميت أو سجين؛ فالأفكار أعمق أثرا وأطول عمرا من أصحابها، روح عابرة للأجيال، تلهم وأحيانا تقتل، وما أكثر القتل الفردي والجماعي باسم الله، في كثير من العصور وعلى أيدي أتباع كل دين. باسم الله وتحت راية الكتاب المقدس أُبيد الملايين وسُرق تاريخهم، حتى اسمهم نفسه تغير وأصبحوا «الهنود الحمر»، ولم يكونوا هنودا ولا حمرا، ولكن المنتصر كتب التاريخ، وأصبحت بلادهم تحمل اسما آخر.. أميركا.

تشغلني الدراما في مراجعتي لتاريخ الأفكار والشعوب والرجال. كان حسني مبارك بليدا رتيبا تخلو حياته من الدراما، أما محمد مرسي فأقرب إلى أبطال التراجيديا، ساقته الأقدار من حيث لا يدري إلى مصير ليس مسؤولا عنه، ولم يخطط له.

باستثناءات قليلة، تراجعت التراجيديا مع نشوء الدولة الحديثة بمؤسساتها المعقدة، ربما مثلما أصبح الاختراع عملا مؤسسيا لفريق بحثي، لا إلهاما شخصيا، بعد تفكير في دلالة “سقوط” تفاحة فوق رأس نيوتن.

ستظل التراجيديا مجرد استثناءات؛ بعد أن كان البطل التراجيدي رسول القدر لإنقاذ أمة متحديا قدرا آخر. وقد خرج مرسي من صفحات التراجيديا، ومن أزمنة العشائر. أخّرته الأقدار، ثم قذفت به إلى عصر “الدولة”، فارق توقيت حضاري لم يدركه ابن تنظيم سري ينتمي إلى ما قبل “الدولة”، ولا يؤمن بأن الوطنية لا تكتمل إلا بإيمان المواطن بالدولة، بشرا وجغرافيا وفلسفة ومصيرا، وهذا يتعارض مع عقيدة “إسلامجي” ينشأ على أن الجماعة هي الدين، وأنه بالإخلاص للتنظيم يكتمل إسلام المسلم. لا يجتمع خيال مع بيعة، فكرة البيعة نفسها تهين العقل، ومن أركانها «السمع والطاعة والثقة في القيادة». هنا لا وجود لمفهوم «الدولة».

يقول محمود الصباغ عضو التنظيم الخاص للإخوان، في كتابه «حقيقة التنظيم الخاص»، إن من نصوص لائحة التنظيم: «أية خيانة، أو إفشاء سر بحسن قصد، أو بسوء قصد، يعرض صاحبه للإعدام وإخلاء سبيل الجماعة منه، مهما كانت منزلته، ومهما تحصن بالوسائل، واعتصم بالأسباب التي يراها كفيلة له بالحياة».

«التنظيم الخاص، «الجهاز السري»، ميليشيا أسسها حسن البنا، ولم تستهدف بالقتل إلا مصريين. وتنص لائحة التنظيم على «إعدام» من يتهم بالخيانة أو إفشاء أسرار ولو بحسن نية. لا فرصة للدفاع عن النفس ولا نقض لحكم. يقول علي عشماوي العضو البارز في التنظيم، في كتابه «التاريخ السري لجماعة الإخوان المسلمين» إن البنا كان «يعتبر أفراد النظام الخاص هم التعداد الحقيقي للإخوان المسلمين»، وبعد ثورة 1952 رأى الإخوان «كيف أنهم- أي رجال الثورة- بدأوا يخرجون على السمع والطاعة وأنهم حنثوا بوعدهم وخانوا بيعتهم».

أتوقف عند واقعتي قتل باسم الله، بينهما عشرات السنين وآلاف الأميال. الضحية ليس عدوا لله، بل كان يمكن أن توكل إليه مهمة قتل زميل في التنظيم نفسه، وباسم الله أيضا.

الواقعة الأولى بطلها المهندس سيد فايز مسؤول النظام الخاص عن مدينة القاهرة، “وقد تخصص في صناعة المفرقعات.. وكان أحد المخازن الرئيسية لإخوان القاهرة لحفظ الأسلحة والوثائق المهمة” على حد قول علي عشماوي. ويسجل الموقع الإلكتروني الرسمي للإخوان أنه قتل يوم الخميس 20 نوفمبر 1953، “بواسطة صندوق من الديناميت وصل إلى منزله على أنه هدية من الحلوى بمناسبة المولد النبوي، وقد قتل معه بسبب الحادث شقيقه الصغير البالغ من العمر تسع سنوات وطفلة صغيرة كانت تسير تحت الشرفة التي انهارت نتيجة الانفجار”.

قتل فايز على يد تنظيم سري هو أبرز أعضائه، مجرد خلاف إخواني/ إخواني بين الحرس الجديد للجهاز بقيادة يوسف طلعت، والحرس القديم بقيادة مؤسس الميليشيا عبد الرحمن السندي الذي رفض الإقالة. لا يستقر الموقع الإلكتروني للإخوان على مصطلح لما جرى، يتراوح الوصف بين “اغتيال”، و”استشهاد”، و”قتل”. شيعت جنازة فايز في اليوم الثاني، الجمعة 21 نوفمبر، وفي اليوم الثالث قرر مكتب الإرشاد فصل أربعة من قادة التنظيم الخاص (عبد الرحمن السندي وأحمد عادل كمال ومحمود الصباغ وأحمد زكي).

لم يتضمن قرار الفصل إدانة لهم بالتورط في الجريمة، ولكن محمود عبد الحليم في كتابه “الإخوان المسلمون.. أحداث صنعت التاريخ” يتهم السندي بالتخلص من سيد فايز “بأسلوب فقد فيه دينه وإنسانيته ورجولته وعقله.. وقد ثبت ثبوتا قاطعا أن هذه الجريمة الأثيمة الغادرة، كانت بتدبير هذا الرئيس.. وقد قامت مجموعة من كبار المسؤولين في هذا النظام بتقصي الأمور في شأن هذه الجريمة، وأخذوا في تضييق الخناق حول هذا الرئيس حتى صدر منه اعتراف ضمني”. في حين ينفي أحمد عادل كمال في كتابه “النقط فوق الحروف” تورط السندي في الجريمة.

أما الواقعة الثانية فهي العثور على مصطفى شلبي، بمسكنه في بروكلين (مارس 1991)، مقتولا بعدة طعنات نافذة ورصاصة في الرأس.

كان شلبي مقاول الكهرباء المصري ممثلا لعبد الله عزام في أميركا، وأسس في منتصف الثمانينات مركزا للجهاد في شارع أتلانتيك في بروكلين، لمساعدة المقاتلين في أفغانستان، ولكن الشيخ عمر عبد الرحمن، بعد أن سهلت له أميركا دخول أراضيها عام 1990، سعى “لتأسيس وإحكام السيطرة على مركز للقوة في الولايات المتحدة. رعى شلبي الشيخ منذ وصوله فأسس له شقة وأعطاه سيارة وسائقا وتليفونا. وجمع الرجلان أموالا كثيرة وجندا الشباب من المناطق المجاورة”، كما تروي الأميركية ماري آن ويفر في كتابها “صورة لمصر.. رحلة في عالم الجماعات الإسلامية المتشددة”. لم تدم صداقة الرجلين، فاختلفا بعد اتهام مسؤولين بمسجد الفاروق في بروكلين لشلبي باختلاس نحو مليوني دولار.

ظلت الجريمة لغزا غامضا، وتقول ماري آن ويفر إن الشيخ عمر يرفض دائما مناقشة علاقته بشلبي أو مقتله، بل قال: “أنا لا أعرف هذا الرجل”، وقال صديق مشترك بين القتيل والشيخ إنهما اختلفا بشأن السيطرة على تمويلات الجهاد والمقاتلين. ماري آن ويفر سألت سودانيا في مكتب الجهاد، عرف نفسه باسم “جلال”، عما أفسد صداقة الشيخ والقتيل، فأجاب: “لا تعليق”. سألته أيضا عن استمرار فتح المكتب، رغم انتهاء الحرب في أفغانستان، فقال: “البوسنة، العالم الإسلامي واحد، وأينما يكون هناك صراع فنحن جاهزون للقتال”.

الآن، أتساءل: أي جهاد في هذا الوحل؟

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر