الاربعاء 26 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10614

الاربعاء 26 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10614

تنميط متبادل

إدوارد سعيد في ربطه بين نشوء الرواية في الغرب وظهور الأمبريالية الغربية لم يكن بعيدا عن مضمون هذه العلاقة.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2014/06/13، العدد: 9588، ص(15)]

مصطلح الاستغراب مقابل دلالي لمصطلح الاستشراق. مفاعيله وتعبيراته المضمرة والعلنية فكريا وسيكولوجيا ماثلة في الرواية العربية الحديثة عبر تمثيلها وتمثلها للغرب. في هذا التمثيل يتساوى المنظور الذي تتعامل فيه مع الغرب، مع المنظور الذي انطلق منه الكثير من الرحالة وكتاب الغرب في رؤيتهم للشرق. الجنسنة كانت هي السمة الطاغية على هذه العلاقة، سواء بما تمثله من محاولة لامتلاك الآخر وإخضاعه، أو للقول بأن الشرق والغرب على طرفي نقيض، وبالتالي فهما لا يمكن أن يلتقيا.

في إطار هذا التصوّر وما يشي به من حمولات ثقافية ووجودية، يحاول كل منهما تكريس هذه الصورة و وتنميطها. الغريب أن كلا من الرواية العربية الحديثة والاستشراق الأوروبي اتخذ من موضوع الجنس أداة لامتلاك الآخر وإخضاعه.

الرجال العرب اتسموا في تلك العلاقة المتخيلة بالفحولة الطاغية، بينما تمثل الغرب في صورة الأنثى التي تستسلم إلى إغراءات تلك الفحولة. في المقابل قامت النظرة الاستشراقية التي قدمها الرحالة والمستكشفون للشرق، على أنه أرض الشهوات المتفجرة وليالي ألف ليلة وليلة، التي تتميز النساء فيها بالشبق والشهوات الصارخة.

هذا التنميط في الصورة يمثل أس تلك الرؤية التي تحوّل فيها الجنس إلى أداة مثالية لتمثيل العلاقة مع الآخر، بغية السيطرة عليه. بعض النقاد العرب تنبهوا إلى مدلولات ذلك مبكرا، وحاولوا كشف دوافعه النفسية.

الدراسات الاستشرقية بالمقابل لم تول هذا الموضوع العناية والاهتمام الكافيين. انشغالها بالبحث في الوظيفة السياسية والثقافية التي أداها هذا الاستشراق بالنسبة إلى المشروع الاستعماري، ومن ثم إلى مشروع الهيمنة الأمبريالية الغربية على العالم كان هو السبب.

إدوارد سعيد في ربطه بين نشوء الرواية في الغرب وظهور الأمبريالية الغربية لم يكن بعيدا عن مضمون هذه العلاقة، وما انطوت عليه من محاولات لاحتواء الشرق، وتمثيله بهذه الصورة النمطية للشرق البدائي. الرواية العربية الحديثة اتخذت من الجنس موضوعا لهذه العلاقة المختلة مع بدايات ظهور التفكير الاستعماري، وصعود القوة المادية والعسكرية والاقتصادية للغرب. مع هذا الاختلال في العلاقة أراد الوعي العربي روائيا التعويض عن شعوره بالضعف أمام هذه القوة، التي تهدّد وجوده وثقافته.

هذه الفحولة المتورمة كانت انعكاسا لوضع سيكولوجي متأزم، تعيشه تلك الشخصية على المستويين الوجودي والثقافي. لكن إذا كان دافع الروائيين العرب هو التعويض عن الشعور بالنقص إزاء قوة الغرب المتصاعدة وتطوّره الحضاري والعسكري، ما الذي كان يدفع الاستشراق الغربي لاستخدام الجنس وسيلة مثلى لتجسيد صورة الشرق؟ دوافع عدة تكمن خلف ذلك، بعضها يرتبط بحاجة الغرب إلى التمايز كضرورة لإدراك الذات عبر اختلافها عن الآخر المختلف، البدائي والمحكوم بنزواته وشهواته.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر