الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

خراب البصرة ومخاطر الحقيقة

الحقيقة ضالة الجميع، والناس تبحث عنها، لولا أن بعض الحقائق مؤلم ومعقد، ويتطلب صبراً وجلداً عظيمين ريثما يكون قول الحقيقة نافعاً لا ضاراً.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2014/06/13، العدد: 9588، ص(24)]

عثرت قبل عدة أيام على قصاصة من عصر الأبيض والأسود، في جريدة سمّيت حينها جريدة “البلد”، نشرت خبراً عن غضب عارم استبدّ بمطران الأرمن في سوريا بعد أن فقد أعصابه أثناء الاحتلال الفرنسي لسوريا، فقال: “لو كان الرب فرنسياً لتوقفت عن عبادته”، ولكن المطران استدرك “الرب طبعاً لا يكون فرنسياً، وكذلك البشر الطبيعيون لا يقبلون أن يكونوا فرنسيين”.

كان هذا موقف أكبر شخصية دينية أرمنية في المنطقة، ويحدثونك عن أغلبية سنية وأقلية غير سنية، وشيعة ومسيحيين وكلدان، ولا يعرف أحد الحقيقة، كما هي، حول روابط شعوب الشرق الأوسط.

الحقيقة ضالة الجميع، والناس تبحث عنها، لولا أن بعض الحقائق مؤلم ومعقد، ويتطلب صبراً وجلداً عظيمين ريثما يكون قول الحقيقة نافعاً لا ضاراً، ومنذ خراب البصرة بعد الاحتلال التاريخي التقليدي المباشر للقوات الأميركية للعراق، وسقوط بغداد أحد أهم أركان الثقافة والهوية العربية في التاريخ والجيوبولوتيك العربيين، والتداعيات مستمرة، في سياق له منطقه العلمي، فلم يكن كسر ضلع كبير للعرب وقطع الخط الأوراسي في التوازن السياسي والاقتصادي مجرد لعبة عابرة.

ويشكو كثيرون اليوم، من أن العرب لا يتحدثون عن عوار الأداء المواطني لتلك الشعوب والمكونات العرقية والطائفية التي عاشت مع العرب مخاض الاستقلال الأول والثاني، ولا يعلمون أنه من الأفضل عدم قول الحقيقة في هذا الوقت، ريثما تضع الحرب أوزارها.

ففي زمن مضى كانت الحياة السياسية في دمشق، على سبيل المثال، قبل مجيء العسكر مبنية على الرواق في الخصومة، وخفة الظل في النزاع، فذات مرة كان بعض النواب السوريين مجتمعين مع فارس الخوري رئيس المجلس، وكان بين هؤلاء نائب معروف بسلوكه السيئ، فأخذ هذا النائب يشكو ويتذمر بأن صحفياً يهاجمه ويحاول فضحه في الصحيفة، وتابع قائلاً: “يا فارس بك إن هذا الصحفي لا يتوقف عن نشر الأكاذيب عنّي، فأجابه فارس الخوري على الفور: “احمد ربك أنه لا ينشر عنك الحقائق”.

ويباهي العراق العالم بشريعة حمورابي التي تعد أقدم شرائع الأرض، إلا أن عام 1948 شهد اكتشاف العلامة طه باقر، الآثاري العراقي الكبير في “تل حرمل” لوحين من شريعة أقدم من حمورابي بأكثر من مئة وخمسين سنة سمّيت شريعة “أشنونا”، وفي ذلك العراق الحديث دبّ ذات يوم خلافٌ بين نوري السعيد ونواب البرلمان، فوقف ذيبان غبان أحد النواب المعارضين و قال له في مداخلة عنيفة: “انظروا إلى أي حال أوصلتم هذا البلد، بلد هارون الرشيد والمأمون، انظروا كيف هبطتم بنا إلى هذه الأحوال التي نحن عليها اليوم، فأجابه نوري السعيد على الفور: “نحن لم نتسلم العراق من يد هارون الرشيد لتحاسبنا. تسلمناه من الوالي العثماني”.

خربت البصرة، واليوم ينهار جيش المالكي أمام داعش، بعد أن نكّل بالحاضنة الشعبية لمحافظات غرب العراق وعزلها وألغى دورها في الحياة، فخرجت الموصل ومعها جاراتها عن السيطرة، ولم يخبر أحدٌ تلك الطبقة التي تحكم من طهران إلى البحر المتوسط، أنه لا يمكن العبث بمكونات هندسية للواقع، وخلخلته، وجرّه إلى الوراء، فالزمن يمشي إلى الأمام ولا يعمل بمنطق الثأر وطاقة الأحقاد.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر