الثلاثاء 20 فبراير/شباط 2018، العدد: 10906

الثلاثاء 20 فبراير/شباط 2018، العدد: 10906

الجزائر: تعديل للدستور أم خلط لأوراق المعارضة

لعبة النظام الجزائري في مجملها تهدف إلى استقطاب المعارضة، ومن ثم ترويضها وإظهارها في آخر المطاف بأنها جزء من تركيبة ثقافة وأجهزة السلطة.

العرب أزراج عمر [نُشر في 2014/06/19، العدد: 9594، ص(8)]

لا تزال المشاورات التمهيدية، بين النظام الحاكم في الجزائر من جهة، وبين الأحزاب والشخصيات الوطنية التي تم اختيارها بانتقائية مقصودة ومدروسة جيدا من جهة أخرى، تجري على قدم وساق وذلك منذ إعادة انتخاب الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة مؤخرا، من أجل إيجاد القواسم المشتركة التي بمقتضاها يتم الشروع في تعديل الدستور الجزائري.

الجدير بالذكر هنا هو أن الحياة السياسية الجزائرية قد شهدت منذ الاستقلال في عام 1962 إلى يومنا هذا، تعديل الدستور خمس مرات، وستكون هذه المرة السادسة، الأمر الذي يجعلنا نتساءل: هل هذه التعديلات المنتظرة للدستور هي نتيجة لتغيرات إيجابية في الوعي السياسي الجزائري، أم أنها مجرد تكرار للسيناريو القديم- الجديد الذي عودنا به كل رئيس جزائري يأتي لإحداث تغييرات على مقاسه كي يكتسب الشرعية ومن ثم ينفرد بالحكم؟

وهل صحيح أن تعديل الدستور هذه المرة يرمي- حقيقة- إلى خلق آليات على نحو غير مباشر لإعادة حزب جبهة الإنقاذ الإسلامية إلى الحياة السياسية، بشكل يضمن للرئيس عبدالعزيز بوتفليقة المضي قدما في المصالحة الوطنية؟ علما أن القائد العام للجناح العسكري لحزب جبهة الإنقاذ الإسلامية السيد مدني مرزاق قد صرح في شهر مايو الماضي بأن دعوة أحمد أويحيى، المكلف بملف إجراء المشاورات حول مسودة الدستور له ولبعض رفاقه في جبهة الإنقاذ الإسلامية كأفراد، تدخل تكتيكيا في إطار التمهيد لعودة الحزب إلى الحياة السياسية ولو باسم مختلف.

إن تحليل الواقع السياسي الجزائري بكل تفاصيله الصغيرة والكبيرة يؤكد بدون شك أن إشراك السلطة الحاكمة للأحزاب السياسية، التي تعمل بشكل رسمي في البلاد وللشخصيات الوطنية، منها الشخصيات المؤسسة سابقا لجبهة الإنقاذ ولجناحها العسكري، يمثل لعبة سياسية تكتيكية يهدف النظام الحاكم من ورائها إلى احتواء ما يسمى بالمعارضة بمختلف ألوانها أولا، وقصد تجنب عواصف ما يسمى بالربيع العربي التي تجتاح عددا من الدول العربية مغربا ومشرقا ثانيا.

ثم ما معنى أن تكون معظم الأحزاب في صف قطب التنسيقية الساعية إلى تكوين جبهة معارضة، في الوقت الذي نرى فيه أغلب هذه الأحزاب تمعن في الهرولة إلى الاجتماعات المخصصة للمشاورات الأولية، التي تدخل في نطاق التعديل القادم للدستور باستثناء عدد قليل من الأحزاب ذات الطابع الإسلامي خاصة وفي مقدمتها «حزب العدالة والتنمية» وحزب «حمس»، فضلا عن مجموعة من الأشخاص البارزين الذين كانوا في السابق جزءا لا يتجزأ من منظومة النظام الحاكم، وفي طليعتهم رئيس الوزراء السابق علي بن فليس الذي يرى في نفسه الشخصية الأجدر بالوصول إلى الرئاسة؟

في هذا المناخ الذي يتميز بالبراغماتية وبتأجيل الصراع الحقيقي يمكن للمرء أن يلاحظ في المشهد السياسي الجزائري انعدام التوافق الكلي، حتَى بين الأحزاب المعارضة نفسها من جهة، وبين هذه الأخيرة والشخصيات المعارضة من جهة أخرى، على إشراك عناصر قيادية كانت منتمية سابقا إلى جبهة الإنقاذ التي لا تزال تجاهر حتى الآن بأنها ترفض تبديل جلدها السياسي والعقائدي.

إن التباين القائم بين هذه الأطراف يشمل أيضا رفض الانسياق مع السلطة الحاكمة التي تقوم بعملية الاستقطاب في محاولة منها لفرض هيمنتها وتسويق مشاريعها، وبالتالي اكتساب الشرعية بعد أن اعتبرت معظم أحزاب المعارضة انتخابات العهدة الرابعة التي بموجبها أعيد انتخاب الرئيس بوتفليقة غير شرعية، ولا تتماشى مع أخلاقيات التداول الديمقراطي على الحكم.

في هذا السياق بالذات صرحت قيادة حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية (الإرسيدي) بعدم قبولها بعودة جبهة الإنقاذ الإسلامية إلى المسرح السياسي، أما قيادات المجتمع المدني فقد استهجنت على لسان رئيسة المنظومة الوطنية لضحايا الإرهاب السيدة فاطمة الزهراء فليسي الحركة التي قام بها النظام الحاكم، والمتمثلة في الدعوة التي وجهها إلى القائد السابق للجيش الإسلامي لجبهة الإنقاذ الإسلامية الذي مارس العمل المسلح طوال العشرية السوداء وهو السيد مدني مرزاق وإلى عدد آخر من القيادات السياسية لجبهة الإنقاذ الإسلامية للمشاركة في المشاورات والمناقشات الرامية إلى إعداد أرضية التوافق حول إثراء وتعديل مسودة الدستور.

وعلى الطرف الآخر المناقض، فإنه من الملاحظ أن الأحزاب الإسلامية الكبرى مثل (حمس) وحزب «العدالة والتنمية» وكذلك الشخصيات المحسوبة على التيار الإسلامي قد رحبت بدورها بانفتاح السلطة الجزائرية الحاكمة على مجموعة من العناصر القيادية سابقا في جبهة الإنقاذ، ورأت أن هذا من شأنه أن يثمر انفراجا سياسيا في البلاد، ويهيئ تبعا لذلك المناخ للقضاء على ما تبقى من ذيول ما يدعى في قاموس النظام الجزائري بـ«الإرهاب»، وبؤر الصراع المسلح الذي ينفجر من حين لآخر وخاصة في الجنوب الجزائري، وفي بعض المناطق الأخرى شمال البلاد.

بناء على ما تقدم، فإن الخارطة السياسية التي تريد السلطة رسمها، وتلك التي يريد المعارضون المساهمة في صنعها- سواء كانوا أحزابا أو أفرادا- مختلفتان ومتضادان دون شك.

إن الاستراتيجية المضمرة للأحزاب الاسلامية وللشخصيات ذات التوجه الاسلامي ترمي إلى رصّ وجمع صفوف الكتلة الإسلامية على تنوعها، بما في ذلك «الإنقاذيون» من أجل تهيئة الظروف الملائمة لتوحيد نفسها بعد انتهاء عهدة عبدالعزيز بوتفليقة في المستقبل للدخول في حلبة الصراع السياسي كقوة موحدة وقادرة على صنع الحدث السياسي.

أما استراتيجية النظام الجزائري فتتمثل في تحقيق هدفين رئيسيين من وراء تعامله مع شخصيات حزب جبهة الإنقاذ الإسلامية على نحو منفرد وليس كممثلين لحزبهم المحظور، أولهما يتلخص في إظهار النظام الحاكم لنفسه كقطب مسالم وغير إقصائي، وأن همه الأساسي هو تحقيق المصالحة الوطنية، أما ثانيهما فيمكن تحديده في أن الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة يقدم نفسه- على نحو غير مباشر للرأي العام الجزائري والدولي في آن واحد- بأنه فوق صراعات الأحزاب والتيارات المختلفة في عمق المجتمع المدني.

وفي الواقع فإن لعبة النظام الجزائري تهدف إلى استقطاب المعارضة، ثم ترويضها وإظهارها في آخر المطاف بأنها جزء من تركيبة ثقافة وأجهزة السلطة، كما فعلت من قبل مع الأحزاب التي دخلت في شراكة مع السلطة في شكل قطب حمل لقب «التحالف الرئاسي» ودفعت جراء ذلك ثمنا غاليا تمثل في فقدانها لمصداقيتها كمعارضة.

كاتب جزائري

أزراج عمر

:: مقالات أخرى لـ أزراج عمر

أزراج عمر

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر