الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

التسلية بآلام الجياع

شبح الفقر الذي يفتك بأغلب المجتمعات، هو نتاج طبيعي للعقبات التي تواجهها المرأة في عدة مجالات، وتجعلها عاجزة عن تأمين الغذاء الكافي لأسرتها.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2014/06/20، العدد: 9595، ص(20)]

يتسابق الكثير من المخرجين إلى صناعة أفلام تجارية مضمونة النجاح أبطالها المتضوعون جوعا، لكن لا أحد من المتفرجين الذين قد تغص بهم دور السينما يتبادر إلى ذهنه أنه جاء ليتسلى بمآسي الجياع، وهذه للأسف هي الحقيقة، فالفقر بات اليوم مصدرا للاسترزاق والتسلية.

إن هذه الأفلام التي تنقل مشاهد حقيقية عن معاناة الفقراء صادمة إلى أبعد الحدود، وتثير الشفقة والتعاطف في نفوس الكثير من الناس، ومن الجيد أن تحفز الأشخاص على مناقشة مثل هذه القضايا وتدفعهم إلى التبرع للجمعيات الخيرية، ولكن كل هذه المجهودات تظل عاجزة عن إخراج الفقراء من بؤرة التهميش، لأن المشكلة لا تحتاج فقط إلى مبادرة من شخص أو تبرعات من مجموعة من الأفراد، بل إلى وعي عالمي وإرادة قوية تغير أفكارا عفا عليها الزمن حتى يتغير واقع المجتمعات إلى الأفضل.

في الحقيقة الفقر ليس قضاء وقدرا كما يعتقد البعض، بل هو نتاج طبيعي للأوضاع المتردية التي تعانيها المرأة وخاصة تلك التي تمثل العائل الوحيد لأسرتها، فهذه الأفلام التي تسلط الضوء على الصراع المضني للبؤساء وجشع الحكومات وأصحاب رؤوس المال والشركات العالمية الكبرى وتحكمها في الثروات وغيرها من المشاهد المضنية، غفلت عن أصل الداء، وهو التمييز المتعدد الأوجه الذي يعيق جهود التنمية.

ومما لا شك فيه أن شبح الفقر الذي يفتك بأغلب المجتمعات، هو نتاج طبيعي للعقبات التي تواجهها المرأة في عدة مجالات، وتجعلها عاجزة عن تأمين الغذاء الكافي لأسرتها وعدم قدرتها على امتلاك وسائل إنتاجه وشرائه.

وقد أكدت عديد الدراسات العلمية والبحثية أن ظاهرة الفقر لا يقتصر مداها على مجرد أفراد بل إن الوقوع في شراكه قد يخلق حلقة من الفقر المتوارث بين الأجيال المتعاقبة.

ولا تشكل هذه الآفة مجرد نقص في المال أو في الطعام، بل أيضا سببا في العديد من الأمراض النفسية والعضوية المزمنة التي تثقل نفقاتها كاهل المجتمعات والحكومات.

وقد أشارت الأبحاث إلى أن التمييز ضد المرأة في سوق العمل تسبب في خلل كبير في بناء اقتصاد عديد الدول، وخلق فجوة كبيرة بين الجنسين، وتكبدت النساء جراءه خسائر مالية قدرت سنويا بالملايين، مما حال دون قدرتهن على مواجهة الأعباء الاقتصادية والتحديات الاجتماعية لأسرهن.

وأكد تقرير حديث لمجموعة البنك الدولي أن النساء يواجهن قيودا متعددة تعوق حصولهن على الوظائف، وهذه القيود قد تمتد طوال حياتهن.

ومن النتائج الصادمة أن مشاركة المرأة في القوى العاملة على الصعيد العالمي قد تجمدت، لا بل سجلت انخفاضا من 57 إلى 55 بالمئة على الصعيد العالمي على مدى السنوات الثلاثين الماضية.

ويعكس تدني مشاركة المرأة في سوق العمل، وتباينها بين دولة وأخرى، تشابك الجوانب التشريعية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، التي تفرض عليها مجموعة من الضغوط، وتتسبب في ضيق المجال المتاح أمامها من الوظائف.

ومحنة النساء الغربيات قد تتضاءل أمام ما تعانيه النساء العربيات وإن تباينت أساليب وأحجام مشاكلهن من دولة إلى أخرى، إذ كشفت بيانات البنك الدولي أن مساهمة المرأة العربية في سوق العمل لا تتجاوز نسبة 23 بالمئة، ويجعلها هذا الأدنى في العالم مقارنة بـ65 بالمئة في شرق أسيا التي تعتبر الأعلى و 59 بالمئة في دول منظمة التعاون الاقتصادي.

وإذا استمر النمو على هذه الوتيرة الهزيلة، يمكن أن يستغرق لحاق المرأة العربية بالمستوى الذي تتمتع به نظيرتها في الغرب نحو 150 عاما.

ويعتبر حرمان النساء عموما من الحقوق والفرص حرمانا لأطفالهن ومجتمعاتهن من التمتع بمستقبل أفضل، وهذا من شأنه أن يزيد في اختلال أسس العدالة الاجتماعية، ويوفر بيئة ملائمة للصراع الاجتماعي وعدم الاستقرار السياسي.

لذلك فالمسألة لا تحتاج إلى تجسيد الفقر في أفلام سينمائية لإثارة الشفقة وحصد التبرعات، بقدر ما تحتاج إلى إرادة شعوب قوية ومسار دولي مجد يضمن الخروج من براثن البؤس، وهذا لا يكون إلا بـإعادة هيكلة الاستثمارات والإنفاق العام وخلق فرص عمل متكافئة ورواتب جيدة للجنسين من أجل تحفيز التنمية.

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر