الثلاثاء 25 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10613

الثلاثاء 25 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10613

اللحظة المصيرية في العراق

الحل لابد أن يستند على معالجة جذرية لقضية حقوق العرب السنة ضمن إطار نظام سياسي عراقي وطني لا طائفي، وعزل 'داعش' عن هذا المشروع.

العرب د. ماجد أحمد السامرائي [نُشر في 2014/06/23، العدد: 9598، ص(8)]

ما يحصل في العراق وخاصة في المناطق والمحافظات الست المشتعلة مدنيا منذ التاسع من أبريل 2003، وعسكريا منذ العاشر من يونيو 2014، هو نتيجة لمجمل سياسات الإقصاء والتهميش والظلم والتمييز الطائفي والعقاب الجماعي بالقتل والاعتقال واستهداف الأرزاق لأبناء الطائفة العربية السنية، من قبل سلطة الحكم والقوى السياسية والمليشياوية النافذة، وبدعم ورعاية من المحتل الأميركي، والنفوذ الإيراني داخل العراق.

وهذا الإحباط الشعبي المتراكم قد وفر البيئة المساعدة- خصوصا في الأعوام الأربعة الأخيرة- للتنظيمات الإرهابية (تنظيم القاعدة وفيما بعد داعش) للنشاطات المسلحة التخريبية وما وفرته الساحة السورية من قدرات لوجيستية متنامية لهذا التنظيم المتطرف، مما ساعده على التمدد الخطير داخل العراق بعد خروج كوادره القتالية المهمة من السجون العراقية وهيمنته على الأوضاع في الموصل خاصة، وانهيار المؤسسة العسكرية والأمنية الرسمية في نينوى وصلاح وديالى والأنبار وكركوك، وأجزاء مهمة من أطراف بغداد.

وكان من المفترض أن يدعو هذا الانهيار المدّوي، الذي لا تُعرف أسبابه العسكرية إلى حد الآن، إلى وقفة جادة للقوى السياسية النافذة خاصة الكتل “الشيعية” للمراجعة الحقيقية لما وصل إليه البلد، بدلا من ردود الفعل الانفعالية والعاطفية التي أخذت- للأسف الشديد- طابع الاصطفاف والتجييش والتحشيد الطائفي وتعميم المعركة تحت عنوان “محاربة داعش”، دون التمييز بين هذا التنظيم الإرهابي وبين الحراك الشعبي الذي أصبح اليوم مسلحا ولديه مطالب سياسية مشروعة وصلت اليوم إلى بيت العملية السياسية.

وبدلا من سماع مفردات الخطاب الوطني الإنقاذي ذهبت الأحزاب “الشيعية” إلى التعبئة الطائفية التي ستقود- لا سمح الله- إلى الاحتراب الأهلي.

إن جميع الأطراف السياسية تعتقد أن الأزمة تنحصر في حكومة نوري المالكي مع إنها ناتج لهذه العملية السياسية، وكأن الحل هو في تنحيته ومجيء مسؤول سياسي آخر بدلا عنه ممن طرحوا أنفسهم كبدلاء منذ بدء الحملة الانتخابية، في ظل إصرار متوقع من قبل المالكي على التمسك بالسلطة حتى لو تعرضت البلاد إلى الحرب الأهلية.

إن الكارثة الأمنية وما لحقها من تطورات خلال الأيام القليلة الماضية قد استنفرا القوى الإقليمية والدولية ذات المصالح الكبرى في العراق والمنطقة. ولعل إيران الموصوفة بصانعة الحاكم العراقي منذ 2003، وإلى حد الآن، هي الأكثر استفزازاً لما حصل، حيث عبرت رسميا عن استعدادها للتدخل العسكري (المذهبي) في العراق مثلما دخلت في سوريا تحت شعار «حماية العتبات المقدسة». تقول معلومات البنتاغون إن القوات الإيرانية قد دخلت العراق فعلا.

إن هذا التحرك الإيراني يستفز مشاعر جميع العراقيين، سنة وشيعة، المحتضنين لتلك المراقد منذ أكثر من ألف وأربعمئة عام. في ما يخص الولايات المتحدة الأميركية، فإن إدارة باراك أوباما التي لملمت جراح جيشها وسحبته من العراق عام 2011، لا تريد التورط في هذا المستنقع مجددا، وكان الرئيس الأميركي حاسما في هذه السياسة خلال مؤتمره الصحفي الأخير، مع ما قدمه من اعترافات صريحة لأول مرة، حين اعتبر أن ما يحصل في العراق هو «نتيجة سياسة تهميش السنة وإقصائهم»، وأبدى حرصه على الحفاظ على استراتيجية محاربة «داعش» بمختلف الوسائل لكونها تشكل خطرا على الأمن الأميركي، وتبعه في ذلك كل من رئيس وزراء بريطانيا والرئيس الفرنسي.

وهو بذلك يدغدغ مشاعر العرب المتحالفين مع واشنطن خصوصاً كلا من السعودية والإمارات اللتين شخصتا الأزمة في العراق بأنها نتيجة لسياسة الاقصاء والتهميش.

ويبدو أن الخطر «الداعشي» الذي يستهدف العرب السنة، إضافة إلى طموحاته الخيالية بتأسيس دولة متطرفة (في العراق والشام) فضلا عن تقاطعه مع المطالب والحقوق العامة لأبناء العراق، أصبح وضعه الحالي الخطير عاملا جديا للتسريع والاقتراب من حل إقليمي ودولي للقضية العراقية، لأن العراق يختلف عن سوريا بسبب وجود المصالح النفطية وعلى أسس يبدو أنها من خلال التصريحات تقترب من معالجة ما لحق «العرب السنة» من ظلم.

وليس غريبا القول إن القطبين المعنيين بالقضية العراقية، هما أميركا ودول الخليج العربية وتركيا في من جهة، وإيران وروسيا من جهة ثانية.

القطب الأول يرى أن ما يحصل في العراق اليوم هو نتيجة السياسات الطائفية الإقصائية، بغض النظر عن التفصيلات الخاصة باختلاف الفرقاء السياسيين الشيعة مع المالكي، وإن أي حلول ينبغي أن تصحح هذا الخلل السياسي بجميع تفصيلاته.

أما القطب الثاني المتمثل في إيران وبدعم من روسيا فيرى أن المعركة هي بين «القوى الشيعية الحاكمة مقابل العرب السنة المتحالفين مع التكفيريين وداعش»، وأن إيران لا يمكن أن تفرّط في نفوذها الكبير في العراق حتى لو سالت دماء غزيرة.

الأحزاب العراقية النافذة لا تمتلك القدرة على مواجهة استحقاقات ما حصل في المحافظات العربية السنية، سوى بالذهاب إلى تشكيل حكومة من دون المالكي، وهو أمر لن يفك العقدة الأساسية. ولهذا فإن دول الإقليم المعنية (إيران والسعودية وتركيا) وبرعاية أميركية قادرة على الدخول في مشروع الحل السياسي كجزء من حلول مرحلية لملفات المنطقة وفي مقدمتها الملف السوري، ومشروع الحل هذا لابدّ أن يستند على معالجة جذرية لقضية حقوق العرب السنة ضمن إطار نظام سياسي عراقي وطني لا طائفي، وعزل التنظيمات الإرهابية المتمثلة في «داعش» عن هذا المشروع، بل وتصفية جميع مرتكزاتها ومكاسبها في العراق، ومحاصرتها والقضاء عليها في سوريا.

ولابد من التأكيد أن الواقع الذي حصل بعد العاشر من يونيو بالنسبة إلى الحراك الشعبي يصعب أن يعود إلى ما قبل هذا التاريخ. وقد عرضت في مقالتي الاثنين الماضي فكرة قيام مؤتمر وطني عراقي يضم جميع الفرقاء بما فيهم التنظيمات المسلحة (ما عدا «داعش» الإرهابية) يعقد بالتزامن مع توافق دولي وإقليمي على حل انقاذي وفق أسس جديدة للعملية السياسية في العراق.

إن الأطراف السياسية العراقية المسؤولة، وبعد ما أفرزته الانتخابات الأخيرة، مدعوة في هذه اللحظة الحرجة من المصير الكارثي المرتقب للعراق إلى الاستجابة للمسؤوليات الوطنية، والتخلي عن المصالح الفئوية والطائفية التي مزقت العراق، والاستعداد للدخول في مشروع وطني للإنقاذ.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر