الثلاثاء 17 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10784

الثلاثاء 17 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10784

صائب عريقات.. الحياة مفاوضات

رجل يمتلك منذ أكثر من عقدين مفاتيح المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي، لقب بـ'الابن المدلل' لعرفات لقربه الشديد منه.

العرب أحمد فايز القدوة [نُشر في 2013/08/31، العدد: 9306، ص(13)]

يرفع شعار الحياة مفاوضات

يعد صائب عريقات من الشخصيات السياسية الأساسية في إدارة الرئيس الفلسطيني الحالي محمود عباس والرئيس الراحل ياسر عرفات، لامتلاكه منذ أكثر من عقدين مفاتيح المفاوضات مع إسرائيل. وهو "يحفظ عن ظهر قلب" كل تفاصيل الاتفاقات الأمنية والسياسية والاقتصادية مع الدولة العبرية. وقادر على أن يردد في اليوم الواحد مئة مرة كلمة "مفاوضات" فهو من اعتبر أن "الحياة مفاوضات".

عريقات، الذي يقود الفريق الفلسطيني في المفاوضات الجديدة مع حكومة بنيامين نتنياهو، استطاع أن يخترق جدار القيادة الفلسطينية منذ مؤتمر مدريد للسلام عام 1991. وشارك في أكثر المفاوضات إثارة للجدل في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، والتي أفرزت فيما بعد اتفاق أوسلو الشهير عام 1993. لم يُعرف عن الرجل الكثير قبل اتفاقيات أوسلو، إلا كونه صاحب "لغة فصيحة قادرة على اقناع الخصوم". عوّل عليه الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات بإدارة وزارة الحكم الذاتي في السلطة الفلسطينية منذ قيامها عام 1994، لقربها وتنسيقها المباشر مع السلطات الإسرائيلية. عريقات الأكاديمي والصحفي والسياسي والمفاوض "العنيد"، كان ضمن الأسماء المرشحة في استطلاعات الرأي للشخصيات التي تحظى باحترام الشارع الفلسطيني لخلافة عرفات، وهو أيضا من الأسماء التي لم تصب بـ"سهام اتهامات الفساد المالي" التي طالت العديد من المسؤولين في عهد عرفات.

لكن عريقات، الذي لقبه البعض بـ"الإبن المدلل" لعرفات بسبب قربه الشديد منه طوال أعوام حكم الأخير، أثار جدلا داخليا – خاصة داخل البيت الفتحاوي – حينما اصطف إلى جانب "الختيار" في مناورة سياسية لضرب خطة أول رئيس للوزراء في السلطة الفلسطينية محمود عباس لاستئناف مفاوضات السلام مع حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إرئيل شارون. فالرجل على الرغم من أنه "عاشق أول" للمفاوضات ويعتبرها "سياسة حياة"، إلا أن لديه "حسابات ومصالح مدروسة" في خطواته التفاوضية والحياتية على حد سواء، حسب ما يؤكد مقربون.

كبير المفاوضين الفلسطينيين، الذي يمتلك أكثر الملفات حساسية في القيادة الفلسطينية، ويحمل كل "أسرار" عملية التفاوض مع إسرائيل منذ بدء أول لقاء في مدريد إلى أوسلو مرورا بواشنطن والقاهرة وطابا وعمّان والأراضي المحتلة، لا يمكن الاستغناء عنه في إدارة السلطة الفلسطينية لمعرفته الوثيقة لتفاصيل المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية. فهو بسبب "براعته وحنكته السياسية والتفاوضية". حضر ومازال يحضر كل اللقاءات الثنائية بين الرئيس وزعماء دول أخرى.

كيف فاز بثقة الرئيس

يبدو أن خلو علاقة عريقات من أي "عداوة علنية" بباقي المسؤولين في القيادة الفلسطينية، واهتمامه الملحّ على إظهار انضباطه الشديد، وإعطاء انبطاع بأنه "التلميذ النجيب" والمطيع الأول والمنفذ السريع لأوامر معلمه (سواء عرفات أو عباس) جعلته يفوز بثقة الرئيس. وهو أيضا المسؤول الذي لم يحسب عليه أنه كان سببا مباشرا في نشوب خلاف داخل البيت الفتحاوي الضيق أو في السلطة الفلسطينية، فهو يتمتع بقبول بين أعضاء اللجنة المركزية وداخل الأطر القيادية في حركة فتح.

رجل المفاوضات في سطور
أستاذ جامعي يبلغ من العمر 58 عاما ويتحدث الأنكليزية بطلاقة ويتمتع بحس الفكاهة. كان في كل وفود التفاوض الفلسطينية مع إسرائيل منذ 1991 باستثناء الفريق الذي خاض مفاوضات اتفاق أوسلو في1993.

وعريقات المولود في القدس في 1955، شخصية محورية في الساحة الفلسطينية ومحاور لا يمكن تجاوزه للمبعوثين الأجانب. وهو نائب منذ 1996 وكان مقربا من ياسر عرفات الزعيم التاريخي للحركة الوطنية الفلسطينية. وفي 2009، انتخب عضوا في اللجنة المركزية لحركة فتح وفي اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية.

حصل عريقات على الشهادة الجامعية الأولى من جامعة سان فرانسيسكو الأميركية ثم حصل من جامعة برادفورد البريطانية على دكتوراه في دراسات السلام.

وبعد حصوله على الدكتوراه عمل محاضرا للعلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية في نابلس كبرى الجامعات الفلسطينية وأعرقها، في الضفة الغربية من 1979 إلى 1991. وقد عمل صحافيا في جريدة القدس الفلسطينية لمدة 12 عاما وألف نحو عشرة كتب وهو يعيش في أريحا قرب القدس.

لكن خطوته التي خطاها عام 2003 والمتمثلة في تقديم استقالته من حكومة عباس آنذاك، والاستقالة من منصب "كبير المفاوضين" في تلك الفترة، ما كانت إلا تنفيذا لتوصيات "معلمه الأول عرفات" – حسب مقربين من الرجل – وذلك من أجل توجيه ضربة للخطوات التي تم اعتبارها تعديا على "صلاحيات" ابوعمار الذي كان يرفض عقد لقاءات مع الإسرائيليين من دون العودة إليه. خاصة في ظل الصراع المحتدم بين الحرس القديم والحرس الجديد في حركة فتح.

اختار عريقات أن يكون إلى جانب عرفات في سجال طويل ومعركة "لي الذراع" بين فريق يطالب بـ"حلحلة" المفاوضات مع إسرائيل ومنع عسكرة الانتفاضة (انتفاضة الأقصى التي اندلعت في 28 سبتمبر 2000) وبين فريق آخر يطالب بـ"مفاوضات مع استمرار المقاومة الشرعية". ولم تنتهي مهمة عريقات عند تقديم استقالته إلى الرئيس ورئيس وزرائه، فهذه الاستقالة صنفت على أنها "استقالة من المسؤولية العلنية والابتعاد عن الدخول في حرب تضارب الصلاحيات التي قد تجعله محسوبا على طرف دون آخر"، لكن عرفات الذي علم مدى قرب رجل المفاوضات الأول ومدى ولاءه له لم يشأ ـ على ما يبدو ـ ترك الرجل بعيدا عن "تطورات العملية السلمية والمناورات السياسية" مع خصومه الداخليين والخارجيين، فقد استعان عرفات بعريقات وجعله رسوله إلى وزراء الخارجية العرب والأوروبيين وإلى البيت الأبيض لإقناعهم بالضغط على الحكومة الإسرائيلية لإنهاء "حصار المقاطعة" الذي فرضه شارون على مقر الرئيس في رام الله.

عريقات على الرغم من حساسية منصبه، يقول نشطاء إنه لا يمتلك حراسا ومركبات فارهة تواكب تحركاته في الأراضي الفلسطينية، عُرف عنه أنه ضمن فريق مقرب جدا من "مطبخ القرارات السياسية الكبيرة" في القيادة الفلسطينية، ومثلما كان ضمن الحلقة الضيقة في سلطة عرفات أصبح كذلك في الدائرة المقربة جدا من الرئيس عباس.

ويبدو أن عدم إستغناء عباس عن "طاقم عرفات الإداري"، كان سببا لعدم استبعاد "رجل المفاوضات" من دائرة الرئيس الضيقة، فالعلاقات داخل السلطة الفلسطينية تحكمها "حسابات تنظيمية" لها علاقة مباشرة بالتحالفات الحزبية لفصائل منظمة التحرير وبصفة خاصة لتمتع "رجال عرفات" بالأغلبية داخل اللجنة المركزية لحركة فتح الحالية.

إن رجل المفاوضات والأسرار الرئاسية لم يتوان عن إطلاق تحذيرات متواصلة سعي حكومة نتنياهو إلى التخلص من "عباس" على غرار ما فعلته مع عرفات قبل وفاته عام 2004، وتأكيده على وجود مخططات إسرائيلية لتقويض تحركات الرئيس. عريقات، الذي يعرف بأنه "محاور بارع ومقنع" أعلن أنه يمتلك "أدلة" على خطط تل أبيب. وربما ـ حسب مراقبين ـ إن طريقة رد صاحب نظرية "الحياة مفاوضات" على وثائق قناة "الجزيرة"، كانت خير دليل على "براعة الرجل في المحاججة بالدليل والقانون".

عريقات وحماس

وفي مقابل ذلك، لم تكن علاقة عريقات مع الخصم الداخلي اللدود للحركة الفلسطينية التي تأسست عام 1965 "عادية"، أي مع حركة حماس المنبثقة عن جماعة الإخوان المسلمين، فهي علاقة اتصفت بـ"العداء العلني"، خاصة أن حماس استغلت اسم الرجل لسنوات لمهاجمة برنامج فتح التفاوضي مع إسرائيل.

لكن المواجهة الداخلية بدأت بين شخصية عريقات (ونواب فتح) وقادة حماس بالخصوص منذ أول جلسة للمجلس التشريعي التي عقدت عام 2006، وأقدم خلالها نواب الحركة الإسلامية على إلغاء كافة القرارات والقوانين التي اتخذها المجلس السابق، الذي كانت تسيطر عليه حركة فتح.

تحول عريقات داخل أروقة المجلس التشريعي إلى "نائب مدافع عن دستورية القرارات السيادية للسلطة"، رافضا كل محاولات "بيع" القرار الفلسطيني المستقل. عريقات اعتبر حينها أن خطوة حماس بإلغاء قرارات سابقة بمثابة "انعطافة خطيرة في مستقبل العلاقة الفلسطينية الداخلية".

ومنذ أول جلسة للبرلمان الفلسطيني، حول عريقات مقعده النيابي إلى منبر لمواجهة مشروع "حماس" الإخواني المرتبط ارتباطا مباشرا بما يسمى "محور المقاومة" بقيادة إيران، والذي يراه على أنه ستارة يختبئ وراءها قادة حماس لتنفيذ مشروعهم السلطوي في المنطقة. لم يكن عريقات "هادئا" منذ فوز حماس وهو أول المنسحبين من حضور جلسات المجلس التشريعي.

عريقات الذي يعتبر "مفاوضا عنيدا" أمام الإسرائيليين لعب دورا أساسيا في مواجهة ما يسمى "طموحات" حماس لتأسيس "دولة دينية" في فلسطين. ويرى أن نموذج قطاع غزة الحالي "خير دليل على كلامه".

يقول عريقات إن حماس استفادت من "السمعة السيئة" لرجالات السلطة لدى الفلسطينيين الذين رأوا أنهم "تنازلوا" عن القضية مقابل الكراسي. لكنه يؤكد أن حماس "تنازلت في عشرة دقائق" حينما أعلن القيادي فيها محمود الزهار قبول حركته بخطة رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود أولمرت للانسحاب أحادي الجانب من قطاع غزة عام 2005. عريقات مازال يرى أن هناك أملا في المصالحة الداخلية على الرغم من السجال السياسي الحاد والاتهامات المتبادلة بين حركتي فتح وحماس، ويعتبر أن "الانقسام وصمة عار ومعيب وجرح في الكف".

وثائق «سرية» مسربة

في يناير/ كانون الثاني عام 2011، أي بعد اندلاع ما يعرف بـ"ثورات الربيع العربي"، نشرت قناة "الجزيرة" القطرية وثائق "سرية" تحتوي على محاضر جلسات مفاوضات، قالت إنها تدون النقاشات بين المفاوضين الفلسطينيين والإسرائيليين والتي تتعلق بحيثيات التفاوض بين تل أبيب والسلطة الفلسطينية وقضايا الحل النهائي.

وشكلت السلطة الفلسطينية لجنة تحقيق لمعرفة كيفية حصول القناة القطرية، التي تدعم جماعة الإخوان المسلمين وحركة حماس (الخصم اللدود لحركة فتح) على وثائق أظهرت التحقيقات أنه تم "تسريب بعضها" من مكتب عريقات في أريحا.

وفي إحدى هذه الوثائق "الدبلوماسية المسربة"، ينقل عن عريقات قوله لمفاوضين إسرائيليين ـ يعتقد أن من بينهم تسيبي ليفني وزيرة العدل الإسرائيلية والتي تقود المفاوضات الحالية مع الفلسطينيين ـ "إسرائيل تريد حل الدولتين ولكنها غير واثقة. إنهم يرجون حدوث ذلكَ أكثر مما تعتقد، وأحيانًا تفوق رغبتهم هذه رغبة الفلسطينيين. فما تحويه هذه الأوراق يمنحهم أورشليم في التاريخ اليهودي، مع عودة عدد رمزي من اللاجئين، ودولة منزوعة السلاح.. ما الذي كان بإمكاني تقديمه أكثر من هذا؟".

وخلافا لما قالته قناة "الجزيرة" القطرية، إن الوثائق تظهر "تنازلا فلسطينيا كبيرا" عن تفاصيل هامة في قضايا الوضع النهائي، فقد دافع عريقات بقوة عن مواقفه التي وردت في بعض الوثائق، التي اعترف أنها "سرقت من مكتبه"، وقال إن غالبية هذه الوثائق ليست سوى "أكاذيب وأنصاف حقائق"، وبدوره علق الرئيس الفلسطيني على عملية النشر بأنه "لا يوجد أي شيء مخفي على الأشقاء العرب"، مؤكدا أنه يتم إطلاع زعماء وقادة الدول العربية على "تفاصيل" العملية التفاوضية مع إسرائيل.

مفاوضات ومستوطنات

يعتبر عريقات، وهو كاتب عمود سابق في صحيفة "القدس" المحلية لمدة 12 عاما، أن "المصالح هي التي تحرك الشعوب وأن التحدث بلغة المصالح هو سبيل شعبه لانتزاع وطن تاه طويلا وهو يبحث عنه". وأكد في أكثر من مناسبة أنه "لا حل عسكريا للصراع مع إسرائيل، وأن السبيل لإنهاء هذا الصراع هو المفاوضات".

وفي آخر تصريح قبل استئناف المفاوضات بشكل رسمي مع إسرائيل، أكد عريقات أن هذه الفترة تحتاج إلى "قرارات لا مجرد إجراء مفاوضات"، وأعلن في الوقت نفسه أن السلطة الفلسطينية على استعداد كامل للتفاوض إلى النهاية في سبيل إنجاح المدة الزمنية المقترحة من الإدارة الأميركية لإيجاد حلول والخروج باتفاق للوضع النهائي بين الفلسطينيين والإسرائيليين. لكن رجل المفاوضات لا يبدو على عادته "متمسكا بالمفاوضات كحياة" فهو يقول إن القيادة تدرس مقاطعة المفاوضات بسبب البناء الاستيطاني المستمر في الأراضي المحتلة عام 1967، فهل تكون المستوطنات "عقدة المفاوضات الأولى" التي تختبر مدى مصداقية خطاب السلطة السياسي تجاه العملية التفاوضية مع الحكومة الإسرائيلية.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر