السبت 23 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10760

السبت 23 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10760

عالم بلا خرائط

الحقيقة أن أكبر وأول قوة كسرت الحدود وخلطت الهويات، كانت قوة الاستبداد والظلم، التي شرّدت كلا من السعودي والفلسطيني والعراقي والسوري والتونسي.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2014/06/27، العدد: 9602، ص(24)]

قيل لجمال عبدالناصر في إحدى مناقشات مبادرة السلام مع إسرائيل: “ما رأيك لو نبقي غزة والضفة على وضعهما الحالي ليكونا جسما يشكل الدولة الفلسطينية القادمة؟”. فسأل: “وكيف نربط بينهما؟”. فأتاه الجواب: “نبني جسرا يربط بينهما يمر من فوق إسرائيل”. فقال عبدالناصر: “وماذا لو أراد أحد حراس الحدود الاستجابة لنداء الطبيعة وقضاء حاجته فوق الجسر؟ هل تنشب حرب عالمية بسبب هذا؟”.

فكانت تلك إحدى لحظات رسم الخرائط، واليوم أستعير عنوان هذه الزاوية من العملاقين السعودي عبدالرحمن بن منيف والفلسطيني جبرا إبراهيم جبرا اللذين اشتركا في كتابة ذلك النص المفتوح على خرائط الوعي وخرائط الهوية، ولأن داعش اليوم تقوم بعملية تكسير الجدران المتواصلة، وسط دهشة صناعية من الجميع، من تحطيم حدود سايكس بيكو وكأن هذا يحصل لأول مرة.

والحقيقة أن أكبر وأول قوة كسرت الحدود وخلطت الهويات، كانت قوة الاستبداد والظلم، التي شرّدت كلا من السعودي والفلسطيني والعراقي والسوري والتونسي فعاش هذا في مصر وذاك في بغداد وآخر في دمشق وغيره في بيروت أو في تناثر الخرائط على الكوكب الأخضر كلّه.

فعبرت الهويات الحدود، ولم تعترف بها، وكانت تغريبات الناس تلك تعكس خيارات كل منهم في حدود ضيقة، فالسوري الذي عاش في عراق صدام حسين، كان رفيقا بعثيا بالضرورة، والشيوعي العراقي الذي عاش في دمشق، كان مندغما في مشروع حافظ الأسد إلى درجة تنسيه ماركس وإنجلز ولينين معا، وقامت ثورة الأسماء المستعارة، وكان العراقيون في دمشق يسخرون من بعض هؤلاء الذين كانوا يحملون اسما أجنبيا مثل “أبو روزة وولف” في المرحلة الشيوعية حين كانت روزا لوكسمبورغ رمزا، وحين بدأ الانقلاب الشيعي في المنطقة صاروا يطلقون عليه اسم” أبو الزهرا الذيب”، بعد أن صارت فاطمة الزهراء رمزا جديدا، أو حتى علي أحمد سعيد الذي التحق بصفوف القوميين السوريين في لجوئه إلى لبنان بعد خدمته العسكرية في الشعبة الثانية (المخابرات السورية) ليصبح اسمه على اسم الإله الأسطوري السوري ”أدونيس”.

تناثر العالم في العالم، فصارت شاكيرا اللبنانية برقصها الشرقي أيقونة عالمية، ومنتخبات المونديال امتلأت بالأسماء الشرقية أحمد وكريم وحمدو وصار منتخب الديوك الفرنسية بغالبية سوداء.

ولكن هل كان العالم مقسما أصلا إلى خرائط؟ من قام بوضع تلك الخرائط هو القوى الدولية، وهي ذاتها التي تتفكك وتترابط كل مرة تعيد رسم الخرائط وتتوازع النفوذ عليها، وتشهد جلسة مؤتمر يالطة مؤامرة ستالين على رفيقيه تشرشل وروزفلت، حين عرفت المخابرات السوفييتية أن تشرشل يشكو من مرض البواسير، فكان قرار ستالين اللئيم بإطالة جلسات النقاش حول الخرائط الجديدة في العالم لمعرفته بأن تشرشل سيوافق بعد طول حوار لأنه يريد إنهاء الجلسة ولا يطيق صبراً على الجلوس على المقعد، وكذلك روزفلت الذي كان مصابا بالشلل ويدرك ستالين أن جلسات طويلة ستجعل ردفيه يخدران، وهكذا تحكمت الأوضاع الصحية لزعيمين لأكبر دولتين منتصرتين في العالم حينها بحياة ملايين الناس في أوروبا والمشرق.. ليصبح العالم بخرائط.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر