الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

مصطفى الفقي: متى تزهد في تراب الميري

الثورة قطيعة، تنهي مرحلة برموزها في الحكم والمعارضة والنخبة العاجزة عن ملاحقة قفزات الثوار.

العرب سعد القرش [نُشر في 2014/06/28، العدد: 9603، ص(9)]

أشفقت على الدكتور مصطفى الفقي مرتين، يفصل بينهما نحو خمسة أعوام، وكان مصدر الشفقة منتهى الرمحي وخيرت الشاطر.

في الأولى دعتني قناة «العربية» للتعليق على تقرير لمجمع البحوث الإسلامية يتهم قصيدة «شرفة ليلى مراد» لحلمي سالم، بأنها «تحمل إلحادا وزندقة»، فقررت هيئة الكتاب سحب نسخ مجلة «إبداع» التي نشرت القصيدة.

أتاني صوت غاضب، اخترق الباب المغلق في استوديو مطل على النيل. كان يدافع عن نظام مبارك، وحقه في إغلاق معبر رفح. لم أسمع المذيعة والضيف الآخر، فكلاهما في مدينة أخرى، وليس أمامي تلفزيون. وضعت ساقا فوق الأخرى، وخرج رجل قصير ممتلئ، يسبقه غضبه وتهديده لمنتهى الرمحي بالاتصال بمدير القناة، لأنها لم تمنحه وقتا مساويا لوقت الضيف الآخر.

أنزلت ساقي احتراما للرجل الذي عرفت من ملامحه أنه الفقي. نظر إلي، وأكمل تهديده، واتخذ مقعدا مقابلا، فأعدت الساق الأخرى فوق الساق التي كانت عليها، وتجاهلته. ثم سألني: «عندك تسجيل؟»، أومأت برأسي، بمعنى «نعم»، فحذرني ألا أتساهل في وقتي. قلت باقتضاب إنني سأعلق على قضية، وليس معي طرف ثان. نسيته ثم فوجئت به يوم 26 يناير 2011.

كان الفقي سكرتير مبارك للمعلومات (1985 - 1992)، وقبل ذلك وبعده عين في مناصب يشغل إحصاؤها مساحة هذا المقال. وأثار إعلان فوزه بعضوية مجلس الشعب 2005 جدلا متصلا، بعد شهادة المستشارة نهى الزيني التي أيدها نادي القضاة و137 قاضيا، على أن الفائز الحقيقي منافسه الإخواني جمال حشمت، ولكن نظام مبارك شاء أن يفوّز الفقي ابن الحزب الوطني، الحالم بوزارة الخارجية، لا يهمه مع مبارك أو ابنه جمال، أمين السياسات بالحزب الوطني، الحاكم الفعلي، هذا معلوم من السياسة العامة بالضرورة، ولهذا قال الفقي إن أمانة السياسات «تسهم إلى درجة كبيرة جدا… بالأفكار والدراسات شديدة التميز».(المصري اليوم 27 مارس 2008). وقال: «عندما أحضر اجتماع أمانة السياسات أرى حولي معظم العقول المفكرة من المثقفين والعلماء وأساتذة الجامعات في مصر». كان فصل الخطاب قوله في برنامج تلفزيوني نشر ملخصه في (المصري اليوم 31 مارس 2008): «الرئيس مبارك وأسرته يعلمون أنني عشت بينهم وولائي لهم».

لم أقابل الفقي منذ ليلة غضبه من منتهى الرمحي. كان الموظف الذي يعمل رئيسا للجنة العلاقات الخارجية والشؤون العربية بمجلس الشوري، على موعد مع الثورة. في مساء 24 يناير 2011 ترأس وفدا برلمانيا التقى أعضاء من مجلس العلاقات الخارجية الأميركية، وردا على سؤال الأميركيين عن تكرار سيناريو الثورة التونسية، قال الفقي: «إن مصر وتونس مختلفتان. ونرحب بما يحدث في تونس، ولا يمكن أن نقول إن بن علي مثل مبارك».(الشروق 26 يناير 2011).

يوم نشر تصريحات الفقي، كان مخاض «25 يناير» يشير إلى احتجاجات، قبل أن يصبح مدا جماهيريا مليونيا حاشدا في جمعة الغضب.

نحن الآن قلة، الأربعاء 26 يناير 2011، نقف على سلم نقابة الصحفيين، لا يؤنسنا إلا قول الإمام علي: «لا تستوحشوا طريق الحق لقلة سالكيه»، وقد ضرب أغبياء الشرطة السكرتير العام للنقابة يحيى قلاش وابنه. قلت ليحيى: ما رأيك أن نتقدم ببلاغات منفصلة، أنت ضد الضباط، ومحمد عبد القدوس ضد الضابط أيمن صلاح، وأنا ضد اللواء صلاح الشهاوي الذي ضربني هو وجنوده يوم 31 ديسمبر 2008، (راجع مقال: أربع نصائح قبل أن تركب سيارة الترحيلات).

كانت هتافاتنا هي العليا، تهبط من سلم النقابة إلى الشارع حيث الجنود والضباط، وبينهم امرأة تبدو من فضلات السجون، توجه إلينا بأصابعها إشارات فاحشة، وهتفت: «… يا ولاد المومس.. مصر مش تونس».

لعلها لا تعرف أين تقع تونس، فهل قرأت اليوم تصريحات الفقي الذي حرص على أناقة الدبلوماسي الذي كان، والحق يقال، أعف لسانا من امرأة تنادينا: «يا ولاد المومس..». ربما تكون ثورة 25 يناير استثناء غريبا، حين يتحدث باسمها أعداؤها. الثورة قطيعة، يؤرخ بها لما قبل وما بعد، تنهي مرحلة برموزها في الحكم والمعارضة والنخبة العاجزة عن ملاحقة قفزات الثوار.

ثورة 1919 نهاية جيل الحزب الوطني القديم الذي أسسه مصطفى كامل، وبداية صعود رموز حزب الوفد، ومثقفي الأحرار الدستوريين (الدكتور محمد حسين هيكل وطه حسين).

ثورة 1952 غيرت المزاج الشعبي، باتجاه قادتها وكانوا شبابا مجهولين يتخذون من اللواء محمد نجيب (51 عاما) رمزا وجسرا إلى الشعب. هنا وعى جيل 1919 فضيلة الصمت، إذ يعرف الذكي متى يكف عن الكلام المباح، ويعتزل دور الناصح الأمين. أدرك أستاذ الصحافة محمد التابعي أن ثورة يقودها شباب لا يصح أن يفرض عليها الوصاية كبار السن، فغادروا المسرح وتركوا الساحة لمن لديه طاقة تواكب المزاج الجديد، لكي لا يطالبهم الجمهور بالخروج من الملعب، طردا أو شفقة.

أما ثورة 25 يناير فيتحدث باسمها، من التنظير إلى فرض الوصاية، عجائز كانوا على الضفة الأخرى، وقد وصفت أحد عشر كاتبا قابلوا مبارك يوم 30 سبتمبر 2010، بأنهم شهود الزور، إذ كتب كثير منهم مقالات في «الأهرام»، عن شباب الزعيم الدائم. وأجدني مدينا باعتذار لأحدهم، فوزي فهمي، لأنه لم يمدح مبارك بعد اللقاء، ولم ينتقده بعد الثورة، في حين سارع منافقو مبارك إلى الهجوم عليه، وهم لا يختلفون عن الفقي الذي اتهم مبارك بالجهل، وتناول جوانب شخصية منها قوله إن مبارك «يتردد أنه لم يكن بارا بأهله. عقوق الوالدين يورث سوء الخاتمة.. كان لديه إحساس بالنقص، وعندما كان يرى شخصية لامعة أو متميزة كان يحاول أن يغلق عليها الأبواب.. لم يكن صاحب فراسة في اختيار البشر»، ألا يفسر ذلك بقاء الفقي ثماني سنوات سكرتيرا لمبارك؟

لو قرأ الفقي سيرة نخبتي 1919 و1952، لأدرك فارق التوقيت الثوري، وأعفى نفسه من مشقة انتظار دور بعد 25 يناير، بكتابته في «المصري اليوم»، في 30 أغسطس 2012 مقالا عنوانه «خيرت الشاطر» بدأه بهذه الكلمات: «تردد اسمه منذ عقود»، ثم سجل أن قابل الشاطر عام 2010، عندما كان يزور سجينا آخر، وقال:

«… وتصافحنا متعانقين وقلت له هامسا «فك الله أسرك»، ذلك أنني أتعاطف كثيرا مع حالة سجين الرأي لأنه يدفع فاتورة موقف فكري معين أو رؤية سياسية بذاتها، ولم يتح لي يومها أن ألتقي رفيقه في المعتقل الأستاذ حسن مالك… وأجريت اتصالا بعد قيام الثورة بعدة أسابيع بالمهندس خيرت الشاطر، الذي كان سعيدا بتلك المكالمة الهاتفية، حيث تبادلنا أرقام وسائل الاتصال المختلفة، ثم دعاني بعد ذلك بفترة وجيزة المرشد العام محمد بديع لحضور احتفال حاشد، تكريما للمهندس خيرت الشاطر ورفيقه الأستاذ حسن مالك». ولم يكن الشاطر سجين رأي. أما الشفقة على الفقي فمصدرها قوله إنه اتصل بالشاطر، وردت ابنته بعد إبلاغ أبيها: «قال لها اطلبي من الدكتور مصطفى أن يتحدث غدا صباحا في المكتب». كلا الرجلين عاد إلى سيرته الأولى. الشاطر إلى السجن، والفقي إلى الإشادة بالرئيس الذي تصادف أنه السيسي.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر